مكتبة ثغر العراق
اهلا وسهلا بك ايها الزائر الكريم
يشرفنا ان تسجل معنا وتكون عضوا
فعالا في المكتبة لتفيد وتستفيد

مكتبة ثغر العراق


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
ادارة واعضاء مكتبة ثغر العراق الالكترونية ترحب بكم وتتمنى للجميع وقتا مفيدا وممتعا

شاطر | 
 

 الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مدير المكتبة
Admin
avatar

المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 52

مُساهمةموضوع: الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ   الثلاثاء مايو 01, 2012 2:28 pm






الـصـحـابـة

في القرآن والسُنّة والتأريخ

مركز الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المركز
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد :
فإنه ما زال الكثير من قضايا الفكر والتاريخ يُقرأ وفق إسقاطات الذات والمواقف المسبقة ، بعيداً عن قوانين النقد العلمي وموازين البحث الموضوعي وضوابطه .
وبالرغم من اننا جميعاً ـ كمسلمين ـ نؤمن بقوله تعالى : ( فإن تَنَازَعتُم فِي شيءٍ فَردٌّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليومِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وأحسنُ تَأوِيلاً) ونعلم ان الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هما الرجوع الى سنّته الشريفة ، بالرغم من ذلك فاننا في غالب البحوث من هذا النوع نلاحظ غلبة الاسلوب الانتقائي الخاضع لهيمنة الذات والمواقف المسبقة نفسها ، اذ يذهب اكثر الباحثين إلى انتقاء النصوص التي يمكنه أن يسند فيها موقفه ورأيه ، دون النظر إلى النصوص الاُخرى المشتركة في الموضوع نفسه ، والتي تشكّل مع النصوص السابقة الصورة المتكاملة للموضوع .
فالذي اتخذ موقفاً مؤيداً للسلطان ـ مثلاً ـ ويحرّم الخروج عليه وإن كان ذلك السلطان جائراً وفاسقاً ، تراه يذهب إلى الاحتجاج بالحديث الشريف الذي يقول : من فرق أمر هذه الاُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان ، ونظائر هذا ، دون أن يلتفت إلى الاَحاديث الاُخرى ، من قبيل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله وأمثاله التي جاءت لتبين مفاد الاَحاديث الاُولى وترسم حدودها .
والذي يذهب إلى القول بالتجسيم تراه يقتصر على متشابه القرآن والسُنّة الذي يفيد ظاهره بعض معاني التجسيم ، دون الالتفات إلى المحكم الذي يوجّه تلك الظواهر ويصرفها من الحقيقة إلى المجاز .
--------------------------------------------------------------------------------

( 6 )
ولعل مفهوم عدالة الصحابة هو واحد من أبرز تلك المفاهيم التي استمر الجدل حولها إلى يومنا هذا بسبب وجود من يلجأ إلى ذلك الاسلوب الانتقائي ، فهذا ابن خلدون الذي وضع في مقدمته قوانين دقيقة ومتينة في نقد التاريخ تراه يخفق في استخدامها في تاريخه عامة ، وفي تأريخ هذه الحقبة خاصة ، وكأنها غابت عنه بشكل كامل ، فهو حين ينتهي من التاريخ لهذه الحقبة ، يقول : (هذا آخر الكلام في الخلافة الاِسلامية وما كان فيها... أوردتها ملخصة من كتاب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير ، فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك ، وأبعد عن المطاعن والشبه في كبار الاُمّة من خيارها وعدولها من الصحابة والتابعين ، فكثيراً مايوجد في كلام المؤرخين مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الاهواء ، فلا ينبغي أن تسوّد بها الصحف) ! ونحو هذا قاله ابن الاثير في مقدمته ، دون اعتماد لقوانين النقد والمقارنة والاستقراء .
أما المتكلمون فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين أوجبوا التأويل والتبرير لكل ماحفظه التاريخ من وقائع وأحداث تستدعي النظر والتحقيق في هذه المسألة (ومالم تجد له تأويلاً ، فقل : لعلّ له تأويل لا أعلمه) !
ولا شك ان مثل هذا المفهوم يجب ان يخضع ـ تحقيقاً وبرهاناً ـ للبحث التاريخي الذي يقوم على الاستقراء الشامل لتاريخ الصحابة أفراداً وجماعات .
ولا ينفصل هذا البحث التاريخي عن القرآن والسُنّة بحال ، ذلك ان القرآن الكريم كان راصداً لتلك المرحلة من مراحل التاريخ حافظاً للكثير من مشاهدها ، وهو المصدر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والقول نفسه مع السُنّة المطهّرة حيث كان صاحبها صلى الله عليه وآله وسلم الشاهد والمربي والمرشد والموجه والقائد، وقد ترك لنا الكثير من الاثر المعصوم الذي ينبغي ان نستنير به في معرفة ما يتصل بهذه الحقبة التاريخية ورجالها .
ووفق هذا المنهج سار هذا الكتاب الذي يقدمه مركزنا للقرّاء ، خدمة للحقيقة الدينية والتاريخية ، راجين ان يعم النفع به ، والله الهادي إلى سواء السبيل .



مركز الرسالة



--------------------------------------------------------------------------------

( 7 )


المقدِّمة


الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والاَنبياء محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبهم المنتجبين ، وبعد :
فإنّ من المسائل التي لا زالت تثير جدلاً واسعاً في الاَوساط العلمية مسألة عدالة الصحابة ، وقد بقي البحث فيها موزعاً على آراء مطابقة للآراء المتقدمة على مرِّ التاريخ ، فذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة ، وذهب آخرون إلى عدالة بعض الصحابة دون بعض .
إنَّ المنهج العلمي يستدعي النظر إلى الآراء والاَفكار بموضوعية بحثاً عن الحقيقة لذاتها ، وبعيداً عن تحكيم المرتكزات الذهنية المسبقة في البحث والتحقيق ، لتكون النتيجة تابعة للدليل بما هو دليل وإن اصطدمت بالمألوف والمتعارف من الآراء والاَفكار والاَحكام .
وفي بحثنا هذا نتتبع المسألة باستنطاق القرآن والسُنّة والتاريخ للوصول إلى الرأي النهائي ، بحيادية وموضوعية تبعاً للدليل دون التأثر بالمرتكزات الذهنية والاَحكام المسبقة ، مواكبين موارد ذكر الصحابة في القرآن الكريم ، والآيات النازلة فيهم مدحاً وذماً ، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحابة من روايات مادحة وذامة ، ونواصل البحث من خلال تتبع سيرهم الذاتية ضمن الحركة التاريخية لمراحل الدعوة الاِسلامية ، منذ انضمامهم للاِسلام في بداية البعثة ، ومساهمتهم الجادّة في إرساء


--------------------------------------------------------------------------------

( 8 )
دعائم العقيدة والشريعة ، بجهادهم وتضحياتهم المتواصلة ، معتمدين الموازين الثابتة ، دون أن نبخس أحداً حقّه في التقييم الموضوعي تبعاً للقرآن والسُنّة والتاريخ .
ونترك للقارىء الكريم حريّة الاختيار في الحكم على النتائج طبقاً للاَدلة والشواهد التاريخية ، والله ولي التوفيق .

--------------------------------------------------------------------------------

( 9 )



الفصل الاَول
المعنى اللغوي للصحبة

قال الخليل الفراهيدي : (كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه ، والصحابة : مصدر صاحَبَكَ ، الصاحب يكون في حالٍ نعتاً ولكنّه عمّ في الكلام فجرى مجرى الاسم) (1).
وقال الجوهري : (كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه . اصطحب القوم : صَحِبَ بعضهم بعضاً . أصحب : إذا انقاد بعد صعوبة) (2).
وقال الراغب الاَصفهاني : (الصاحب : الملازم... ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الاَصل والاَكثر ، أو بالعناية والهمة .
ويقال لمالك الشيء : هو صاحبه ، وكذلك لمن يملك التصرّف فيه .
والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع ، لاَجل أنّ المصاحبة تقتضي طول لبثة، فكل اصطحاب اجتماع، وليس كل اجتماع اصطحاباً)(3).

____________
1) ترتيب كتاب العين ، للفراهيدي : 440 مؤسسة النشر الاِسلامي قم 1414 هـ ط1 .
2) الصحاح ، للجوهري 1 : 162 دار العلم للملايين 1407 هـ ط2 .
3) مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الاصفهاني : 275 المكتبة المرتضوية 1373 هـ .

--------------------------------------------------------------------------------

( 10 )
وعلى نحو هذا سار معظم أصحاب اللغة ، ومن خلاله يكون معنى الصاحب هو : الملائم والمعاشر والملازم والمتابع ، ولا يتم ذلك إلاّ باللقاء والاجتماع .
الصحبة في القرآن الكريم :
المعنى اللغوي للصحبة كما تقدم ورد في القرآن الكريم في ألفاظ متعددة تشترك في معنى متقارب ، وهو المعاشرة والملازمة المتحققة بالاجتماع واللقاء واللبث ، دون النظر إلى وحدة الاعتقاد أو وحدة السلوك ، فقد أطلقها القرآن الكريم في خصوص المعاشرة بين مؤمن ومؤمن ، وبين مؤمن وكافر ، وبين كافر وكافر ، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره (1) .
أولاً : الصحبة بين مؤمن ومؤمن
قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام في حديثه مع العبد الصالح : (قالَ إن سألتُكَ عن شيءٍ بعدَها فلا تُصاحِبني ) (2).
فقد أطلق القرآن الصحبة على الملازمة بين موسى عليه السلام والخضر عليه السلام .
ثانياً : الصحبة بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد
قال تعالى : ( وإن جاهَدَاكَ على أن تُشرِكَ بي ما ليسَ لَكَ بهِ عِلمٌ فلا تُطعهما وصاحِبهُما في الَّدُنيا معرُوفاً ) (3).

____________
1) تفسير القرآن الكريم ، لابن كثير راجع تفسير الآيات المذكورة .
2) سورة الكهف 18 : 76 .
3) سورة لقمان 31 : 15 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 11 )
ثالثاً : الصحبة بين رفيقي سفر
قال تعالى: (... والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُب والصَّاحِبِ بالجَنبِ...)(1)
رابعاً : الصحبة بين تابع ومتبوع
قال تعالى : (... ثاني اثنين إذ هُما في الغارِ إذ يقُولُ لصاحِبِهِ لا تَحزَن إنّ اللهَ معنَا ) (2) .
خامساً : الصحبة بين مؤمن وكافر
قال تعالى : (... فقالَ لصاحبهِ وهوَ يُحاوِرُهُ أنا أكثرُ مِنكَ مالاً وأعزُّ نفراً... قالَ لهُ صاحبُهُ وهو يُحاورُهُ أكفَرتَ بالّذي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ) (3).
سادساً : الصحبة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقومه وإن كانوا كافرين
قال تعالى : ( ما ضَلَّ صاحِبُكُم وما غَوى ) (4).
وقال تعالى: ( أولَمْ يَتَفَكَّرُوا مابصاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إن هوَ إلاّ نذيرٌ مُبينٌ )(5).
سابعاً : الصحبة بين كافر وكافرين
قال تعالى : ( فنادَوا صاحِبَهُم فَتَعاطى فَعَقَر ) (6).

____________
1) سورة النساء 4 : 36 .
2) سورة التوبة 9 : 40 .
3) سورة الكهف 18 : 34 ـ 37 .
4) سورة النجم 53 : 2 .
5) سورة الاَعراف 7 : 184 .
6) سورة القمر 54 : 29 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 12 )
ووردت كلمة (أصحاب) في القرآن الكريم تدل على معنى اللبث والمكوث ومنها : أصحاب الجنة ، وأصحاب النار ، وأصحاب الكهف ، وأصحاب القرية ، وأصحاب مَدْين ، وأصحاب الاَيكة .
ووردت في العلاقة الاضطرارية الوقتية كما في خطاب يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن : ( يا صاحِبَي السِجنِ ) (1).
فالصاحب كما ورد في الآيات الكريمة المتقدمة يعني المعاشر والملازم ، ولا تصدق المعاشرة والملازمة إلاّ باللقاء والاجتماع واللبث معاً .
وبالتوفيق بين المعنى اللغوي عند علماء اللغة ، وبين الآيات القرآنية ، يكون معنى الصاحب هو : من كثرت ملازمته ومعاشرته ، وهذا ما نصّ عليه بعضهم كصدّيق حسن خان حيث قال : (اللغة تقتضي أنَّ الصاحب هو من كثرت ملازمته) (2).
الصحبة في الحديث النبوي :
أُطلق لفظ الصحابي ـ في الروايات ـ على كلِّ من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين، سواء كان مؤمناً به واقعاً وحقيقة ، أو ظاهراً ، فكان اللفظ شاملاً للمسلم المؤمن وللمسلم المنافق ، سواء كان مشهوراً بنفاقه أو غير مشهور.

____________
1) سورة يوسف 12 : 39 .
2) قواعد التحديث ، محمد جمال الدين القاسمي : 200 دار الكتب العلمية 1399 هـ ط1 ـ بيروت ـ عن كتاب : حصول المأمول لصديق حسن خان : 65 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 13 )
فحينما طلب عمر بن الخطّاب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل عبدالله بن أُبي بن سلول ـ المنافق المشهور ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « فكيف يا عمر إذا تحدَّث الناس أنَّ محمّداً يقتل أصحابه ؟ » (1).
وحينما طلب عبدالله بن عبدلله بن أُبي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بنفسه بقتل والده أجابه صلى الله عليه وآله وسلم بالقول: « بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا »(2).
فقد أطلق صلى الله عليه وآله وسلم لفظ الصحابي ليشمل حتّى من اشتهر بفسقه كعبدالله ابن أُبي بن سلول ، وأطلقه أيضاً على المستور نفاقهم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ في أصحابي منافقين » (3).
المعنى الاصطلاحي للصحابي :
وردت عدّة آراء في خصوص المعنى الاصطلاحي لصحابي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
الرأي الاَوّل : لا يشترط أصحاب هذا الرأي كثرة الملازمة والمعاشرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إطلاق لفظ الصحابي ، بل يكتفون بها ولو كانت ساعة أو كانت مجرد رؤية .
ففي رواية عبدوس بن مالك العطّار عن أحمد بن حنبل أنّه قال :
____________
1) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 303 . والسيرة النبوية ، لابن كثير 3 : 299 . وبنحوه في : صحيح البخاري 6 : 192 . وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : 452 .
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 305 . والسيرة النبوية ، لابن كثير 3 : 301 . وبنحوه في : الطبقات الكبرى ، لابن سعد 2 : 65 . وأسباب نزول القرآن : 453 .
3) مسند أحمد 5 : 40 . وتفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 2 : 399 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 14 )
(أفضل الناس بعد أهل بدر القرن الذي بعث فيهم ، كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه ، فهو من أصحابه) (1).
ومن القائلين بهذا الرأي البخاري : (ومن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه) (2).
وقال علي بن المديني : (من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) (3).
وقال ابن حجر العسقلاني : (الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به ومات على الاِسلام ، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى) (4).
وذهب ابن حزم الاندلسي إلى هذا الرأي ، ولكنّه قيّده بعدم النفاق ، فقال: (أمّا الصحابة رضي الله عنهم فهو كلّ من جالس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو ساعة ، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها ، أو شاهد منه عليه السلام أمراً يعيه ، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ما توا على ذلك ، ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه ، كهيت المخنّث ، ومن جرى مجراه ، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب... ووفد عليه جميع البطون من جميع القبائل
____________
1) العدّة في أُصول الفقه ، للفرّاء الحنبلي 3 : 988 ـ الرياض 1410 هـ ط2 .
2) فتح الباري 7 : 3 .
3) فتح الباري 7 : 3 .
4) الاِصابة ، لابن حجر العسقلاني 1 : 4 دار الكتب العلمية .

--------------------------------------------------------------------------------

( 15 )
وكلهم صاحب) (1) .
وقيد (لم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر) مخالف لما ورد من روايات أطلق فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسم الصحابي على المنافق المشهور وغيره .
وتابع زين الدين العاملي رأي المشهور من المحدِّثين فقال : (الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به ومات على الاِسلام ، وإن تخللت ردّته بين كونه مؤمناً وبين كونه مسلماً على الاَظهر ، والمراد باللّقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر ، وإن لم يكالمه...) (2) .
ووزّع الحاكم النيسابوري الصحابة على طبقات ، وذكر في الطبقة الثانية عشرة : (صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع... ومنهم أبو الطفيل عامر بن واثلة) (3).
ومن خلال هذه الاَقوال يصدق معنى الصحابي على كلِّ من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو ساعة من الزمان ، ورآه وإن لم يكلّمه ، سواء كان رجلاً كبيراً أو امرأة أو طفلاً صغيراً ، ويشترط فيه الاِسلام الظاهري فيشمل المؤمن والمنافق .
الرأي الثاني : الصحابي من عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يره .

____________
1) الاِحكام في أصول الاَحكام ، لابن حزم الاندلسي 5 : 86 دار الجيل ـ بيروت 1407 هـ ط2 .
2) الدراية ، زين الدين العاملي : 120 مطبعة النعمان ـ النجف الاَشرف .
3) معرفة علوم الحديث ، للحاكم النيسابوري : 24 دار الكتب العلمية 1397 هـ ط2 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 16 )
وذهب إلى هذا الرأي يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، فقال : (إنّ الصحابي من عاصره فقط) ، وقال : (وممن دفن : أي بمصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن أدركه ولم يسمع به : أبو تميم الجيشاني ، واسمه عبدالله بن مالك ، كان صغيراً محكوماً بإسلامه تبعاً لاَحد أبويه) (1)
وعلى هذا الرأي فإنّ الصحابي يطلق على جميع من عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين كباراً وصغاراً وإن لم يروه ، وبعبارة اُخرى ، إنّ جميع المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم من الصحابة ، وكذا من يحكم بإسلامهم تبعاً لاَحد الاَبوين .
الرأي الثالث : رأي الاصوليين .
الصحابي في رأي الاصوليين : هو من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختص به ، واتبعه أو رافقه مدة يصدق معها اطلاق (صاحب فلان) عليه بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة .
نقل هذا الرأي محمد أمين المعروف بأمير بادشاه ونسبه إلى جمهور الاَصوليين (2) .
ونسب الآمدي هذا الرأي إلى عمر بن يحيى وآخرين لم يذكر أسماءهم (3) .
وذهب إلى هذا الرأي الغزالي ، فقال : (لا يطلق إلاّ على من صحبه ، ثم
____________
1) تيسير التحرير ، لمحمد أمير بادشاه 3 : 67 ـ دار الفكر .
2) تيسير التحرير 3 : 66 .
3) الاِحكام في أصول الاَحكام 2 : 321 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 17 )
يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة ، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته) (1).
لكن سعيد بن المسيب جعل حدّاً معلوماً في أحد شرطين ، إذ كان لايعدّ في الصحابة إلاّ من أقام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً (2) .
وقد اعترض البعض على هذا الرأي ، ومنهم ابن حجر العسقلاني ، فقال : (والعمل على خلاف هذا القول ، لاَنّهم اتفقوا على عدّ جمعٍ جمٍّ في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ في حجة الوداع) (3).
واعترض ابن حزم الاَندلسي على هذا الرأي فقال : (... وهذا خطأ بيقين ، لاَنّه قول بلا برهان ، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر وعن مدة الزمان الذي اشترط) (4).
وعند متابعة الكتب المؤلفة في الصحابة نجد أنّ كثيراً من المذكورين فيها لم يروا أو يصحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ ساعات أو أيام معدودة ، بل أنّ بعضهم كان طفلاً صغيراً كجرير بن عبدالله وغيره .
الرأي الرابع : أنّ الصحابي هو : من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطالت صحبته وأخذ عنه العلم .
نسب أبو يعلى الفرّاء الحنبلي إلى عمرو بن بحر الجاحظ أنّه قال : (إنّ
____________
1) المستصفى ، للغزالي 2 : 261 المدينة المنورة 1413 هـ .
2) فتح الباري 7 : 2 .
3) فتح الباري 7 : 2 .
4) الاِحكام في أُصول الاَحكام 5 : 86 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 18 )
هذا الاسم إنّما يُسمى به من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم واختلاطه به ، وأخذ عنه العلم) (1) .
والذي قيل في هذا الرأي : إنّ طول الصحبة ليس شرطاً في إطلاق التسمية على من صحبه ، لاَنّه يلزم إخراج كثير من الذين سُموا صحابة عن الصحبة ، واشتراط أخذ العلم أيضاً يستلزم تضييق عدد الصحابة وإخراج الكثير منهم لاَنّهم لم يأخذوا العلم منه (2).
تقييم الآراء :
قد عرفنا أن المعنى اللغوي ـ الذي عليه استعمالات مادة «صحب» في الكتاب والسُنّة ـ لا يصدق إلاّ حيث تصدق «المعاشرة» و «الملازمة» ، ومن الواضح عدم صدق هذه المعاني على مجرّد «المعاصرة» أو «الرؤية» .
فالمفهوم اللغوي لهذه اللفظة مقيَّد بأنْ تكون «المصاحبة» في زمان تصدق فيه «المعاشرة» ، كما أنه مطلق من حيث الاِيمان وعدمه ، إذ يصدق على كلّ من لازم شخصاً أنّه صاحبه ، وإنْ لم يكن مثله أو تابعاً له في الفكر والعقيدة ، وكذا من حيث التعلّم منه والاَخذ عنه ، وعدمه ، نعم طول الملازمة وكثرة المعاشرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقتضيان الايمان به واقعاً والاَخذ عنه والتعلّم منه ، إلاّ أن تكون المعاشرة والملازمة لاَغراضٍ اُخرى.
وأمّا ما أصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرّد الرؤية كافٍ في اطلاق
____________
1) العدة في أصول الفقه 3 : 988 .
2) راجع العدة في أصول الفقه 3 : 989 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 19 )
الصحبة فيحتاج إلى دليلٍ مقبول .
وقد يشهد بما ذكرنا ما روي عن أنس بن مالك ، وقد سُئل : (هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيرك ؟ قال : ناس من الاَعراب رأوه ، فأما من صحبه فلا) وإنْ حاول ابن كثير توجيهه قائلاً : (وهذا إنّما نفى الصحبة الخاصة ، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة) (1).
إنّ ما اصطلح عليه الجمهور يحتاج إلى دليلٍ مقبول ـ كما أشرنا ـ وإلاّ فإنّ مجرّد عدّهم جماعةً لم يروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ رؤيةً في الصحابة لا يكون دليلاً ، ودعوى الاتفاق منهم على ذلك غير مسموعة مع وجود الخلاف والاَقوال العديدة في المسألة .
وعلى الجملة ، فإنّه بناءً على أن يكون للمسألة أثر في العمل ، فلا بدّ من الاقتصار على ما ذكرناه حتى يقوم الدليل الصحيح على خلافه فيكون هو المتّبع ، والله العالم .

____________
1) الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث ، للحافظ ابن كثير : 175 دار الكتب العلمية 1403 هـ ط1 .
الفصل الثاني

الصحابة في القرآن الكريم

وتعرّض القرآن الكريم لاَحوال الصحابة وصفاتهم منذ بداية بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى وفاته... في كثيرٍ من سوره وآياته...
لقد قسّم القرآن الكريم الملتّفين حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مقابل الكافرين والذين أُوتوا الكتاب ـ إلى ثلاثة طوائف هم :
1 ـ الذين آمنوا .
2 ـ الذين في قلوبهم مرض .
3 ـ المنافقون .
والجدير بالدراسة والبحث وجود عنوان «الذين في قلوبهم مرض» إلى جنب «الذين آمنوا» في بعض السور المكية .
ففي سورة المدثر ، المكية بالاجماع ، وهي من أوليات السور ، جاء قوله تعالى : ( وَما جَعلنا أصحَابَ النَّارِ إلاّ مَلائكةً * وما جَعلنَا عِدّتهُم إلاّ فِتنَةً للَّذينَ كَفرُوا ليستيقِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزدادَ الَّذينَ آمَنُوا إيماناً ولايَرتَابَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتابَ والمؤمنُونَ وليقُولَ الَّذينَ في قُلوبِهمِ مَرضٌ والكافِرونَ ماذا
--------------------------------------------------------------------------------

( 22 )
أرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً... ) (1).
دلّت الآية المباركة على وجود أُناس «في قلوبهم مرض» حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ الاَيام الاُولى من الدعوة الاِسلامية ، و «المرض» بأي معنىً فسّر ، فهؤلاء غير المنافقين الذين ظهروا بالمدينة المنورة ، قال الله تعالى : (وممّن حولكم من الاَعراب ومن أهل المدينة... ) (2).
فالذين في قلوبهم مرض لازموا النبي منذ العهد المكي ، حيث كان الاِسلام ضعيفاً والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مطارداً . أما المنافقون فقد ظهروا بعد أن ظهرت شوكة الاِسلام ، فتظاهروا بالاِسلام حفظاً لاَنفسهم وأموالهم وشؤونهم .
وبناءً على هذا ، فكلّ آيةٍ من القرآن الكريم ورد في ظاهرها شيء من الثناء على عموم الصحابة ، فهي ـ لو تمّ الاستدلال بها ـ محفوفة بما يخرجها عن الاطلاق والعموم وتكون مخصّصةً بـ «الذين آمنوا» حقيقةً ، فلا يتوهّم شمولها للذين في قلوبهم مرض ، والمنافقين ، الذين وقع التصريح بذمّهم كذلك في كثيرٍ من الآيات (3).
وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية التي نزلت في الصحابة في مختلف مراحل الدعوة الاِسلامية ، وفي مختلف ظروفهم من حيث القرب والبعد عن الاَسس الثابتة في العقيدة والشريعة ، ومن حيث درجة الانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الاَوامر والنواهي .

____________
1) سورة المدثر 74 : 31 .
1) سورة التوبة 9 : 101 .
3) اُنظر تفسير الميزان 20 : 90 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 23 )


آيات المدح والثناء

ذكر غير واحد من المؤلفين آياتٍ من القرآن الكريم للاستدلال على أنّ الله قد أثنى في كتابه على الصحابة بنحو العموم :
الآية الاُولى : قال تعالى : ( كُنتُمْ خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للنّاسِ تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهَونَ عَنِ المنكرِ وتؤمنونَ باللهِ... ) (1).
قالوا : نزلت هذه الآية في المهاجرين من مكّة إلى المدينة كما ورد عن عبدالله بن عباس أنّه قال : (هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة إلى المدينة) (2).
وعن عكرمة ومقاتل : (نزلت في ابن مسعود واُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ، وذلك أنّ مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم : إنَّ ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم فأنزل الله تعالى هذه الآية...) (3).
لكن قول ابن عباس لو ثبت مقيّد بما أشرنا إليه ، فلا يكون المراد عموم المهاجرين الشامل للذين في قلوبهم مرض قطعاً .
كما أنّ قول عكرمة وأمثاله ليس بحجة .


____________
1) سورة آل عمران 3 : 110 .
2) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 1 : 399 . والدر المنثور ، للسيوطي 2 : 293 . وبنحوه في الجامع لاحكام القرآن ، للقرطبي 4 : 170 .
3) أسباب نزول القرآن ، للواحدي : 121 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 24 )
والآية حتى لو كانت نازلة في مورد خاص إلاّ أنّ المفسرين وسّعوا المفهوم ليشمل جميع الاُمّة الاِسلامية كما يقول ابن كثير : (والصحيح أنَّ هذه الآية عامة في جميع الاُمّة كل قرن بحسبه) (1).
واختلف العلماء في تشخيص من تشمله الآية ، هل هو الاُمّة بأفرادها فرداً فرداً ؟ أي أنّ كلّ فرد من الاُمّة الاِسلامية هو موصوف بالخيرية ، أو هو الاُمة إجمالاً ، أي بمجموعها دون النظر إلى الاَفراد فرداً فرداً .
فذهب جماعة إلى الرأي الاَول ومنهم : الخطيب البغدادي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار الحنبلي (2) .
فالآية في نظرهم شاملة لجميع أفراد الاُمّة وهم الصحابة آنذاك ، فكل صحابي يتصف بالخيرية والعدالة مادام يشهد الشهادتين .
وذهب آخرون إلى الرأي الثاني ، وهو اتصاف مجموع الاُمّة بالخيرية دون النظر إلى الاَفراد فرداً فرداً ، وقيّدوا هذه الصفة بشرط الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يتصف بالخيرية من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، سواء كان فرداً أو أُمّة .
قال الفخر الرازي : (... المعنى أنّكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الاُمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة... وأن تكونوا منقادين مطيعين في كلِّ ما يتوجه عليكم من التكاليف... والاَلف
____________
1) تفسير القرآن العظيم 1 : 399 .
2) الكفاية في علم الرواية : 46 . الاصابة 1 : 6 . والاستيعاب 1 : 2 . ومقدمة ابن الصلاح : 427 . وشرح الكوكب المنير 2 : 274 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 25 )
واللام في لفظ (المعروف) ، ولفظ (المنكر) يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكلِّ معروف وناهين عن كلِّ منكر... (تأمرون) المقصود به بيان علة تلك الخيرية) (1).
وقال الفضل الطبرسي : (كان بمعنى صار ، ومعناه : صرتم خير أُمّة خلقت لاَمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله ، فتصير هذه الخصال... شرطاً في كونهم خيراً) (2).
وقال القرطبي : (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر : مدح لهذه الاُمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر ، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم) (3).
فالخيرية تزول إن زالت علّتها ، وذهب إلى ذلك ـ أيضاً ـ نظام الدين النيسابوري (4) ، والشوكاني (5)، وآخرون .
وذكر ابن كثير قولين ـ في ذكر الشروط ـ أحدهما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآخر لعمر بن الخطّاب :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « خيرُ الناس أقرأهم ، وأتقاهم ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأوصلهم للرحم » (6).

____________
1) التفسير الكبير 8 : 189 ـ 191 .
2) مجمع البيان في تفسير القرآن ، للطبرسي 1 : 486 .
3) الجامع لاَحكام القرآن ، للقرطبي 4 : 173 .
4) تفسيرغرائب القرآن ، للنيسابوري 2 : 232 .
5) فتح القديرللشوكاني : 371 .
6) تفسيرالقرآن العظيم: لابن كثير 1: 399
--------------------------------------------------------------------------------

( 26 )
فالآية الكريمة ناظرة إلى مجموع الاُمّة ، أمّا الاَفراد فقد وضع صلى الله عليه وآله وسلم مقياساً لاتصافهم بالخيرية كما جاء في قوله .
وفي حجة حجّها عمر بن الخطاب رأى من الناس دعة ، فقرأ هذه الآية، ثم قال : (من سرّه أن يكون من هذه الاُمّة فليؤدِ شرط الله فيها) (1).
وذهب أحمد مصطفى المراغي إلى أنّ الخيرية مختصة بمن نزلت فيهم الآية في حينها ، ثم وسّع المفهوم مشروطاً بالاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال : (... أنتم خير أُمّة في الوجود الآن ، لاَنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون إيماناً صادقاً يظهر أثره في نفوسكم... وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولاً ، وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل... وما فتئت هذه الاُمّة خير الاُمم حتى تركت الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (2).
وأضاف محمد رشيد رضا : الاعتصام بحبل الله ، وعدم التفرّق ، إلى شرط الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال : (شهادة من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن اتّبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنّها خير أُمّة أُخرجت للناس بتلك المزايا الثلاث ، ومن اتّبعهم فيها كان له حكمهم لامحالة ، ولكن هذه الخيرية لا يستحقها من ليس لهم من الاِسلام واتّباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ الدعوى وجعل الدين جنسية لهم ، بل لا يستحقها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحجّ البيت الحرام والتزم الحلال واجتنب الحرام مع الاخلاص الذي هو روح الاِسلام ، إلاّ بعد القيام بالاَمر
____________
1) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 1 : 404 .
2) تفسير المراغي ، لاحمد مصطفى المراغي 4 : 29 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 27 )
بالمعروف والنهي عن المنكر وبالاعتصام بحبل الله مع اتّقاء التفرّق والخلاف في الدين...
إنّ هذه الصفات العالية والمزايا الكاملة لذلك الاِيمان الكامل ، لم تكن لكلِّ من يطلق عليه المحدثون اسم الصحابي) (1).
ومن خلال طرح هذه الآراء نجد أنّ الرأي الثاني هو الاَقرب للمعنى المراد ، فإنَّ الآية ناظرة إلى مجمل الاُمّة وليس إلى الاَفراد فرداً فرداً .
وأكدّ الدكتور عبدالكريم النملة هذا المعنى فقال : (... لا يجوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين ، فالمراد مجموع الاُمّة من حيث المجموع ، فلا يراد كل واحد منهم ـ أي من الصحابة ـ) (2).
الآية الثانية : قال تعالى : ( وكذلِكَ جعلناكُم أُمَّةً وسطاً لِتكونُوا شُهداءَ على النّاسِ ويكونَ الرّسُولُ عليكم شهيداً... ) (3).
جعل الله تعالى المسلمين أُمّة وسطاً بين الاُمم ، لا سيّما اليهود والنصارى ، فالاُمّة الوسط بعيدة عن التقصير والغلو في الاعتقاد وفي المواقف العملية من الاَنبياء ، قال النيسابوري : (إنّهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط ، والغالي والمقصّر في شأن الاَنبياء لا كالنصارى... ولا كاليهود) (4) .
ويطلق الوسط أيضاً على الخيار والعدل .

____________
1) تفسير المنار 4 : 58 ـ 59 .
2) مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف : 82 .
3) سورة البقرة 2 : 143 .
4) تفسير غرائب القرآن 1 : 421 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 28 )
قال الزمخشري : (... وقيل للخيار وسط لاَنّ الاَطراف يتسارع إليها الخلل والاِعوار ، والاَوساط محمية محوطة.. أو عدولاً لاَنَّ الوسط عدل بين الاَطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض) (1).
وقال القرطبي نحو ذلك (2).
والوسطية بمعنى الاعتدال بين الافراط والتفريط هي المستعملة في آراء المشهور من المفسرين (3).
فهذه الآية كسابقتها في أن المراد مجموع الاُمّة من حيث المجموع ، وإنْ حاول جماعة ـ ومنهم : عبدالرحمن ابن أبي حاتم الرازي، والخطيب البغدادي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار (4)ـ تنزيلها على الاَفراد فجعلوا كلّ مسلم وسطاً وعدلاً ، فالصحابة جميعهم عدول بشهادة القرآن لهم .
قال الفضل الطبرسي : (... إنّه ـ تعالى ـ جعل أُمّة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدلاً وواسطة بين الرسول والناس ، ومتى قيل : إذا كان في الاُمّة من ليس هذه صفته ، فكيف وصف جماعتهم بذلك ؟ فالجواب : إنّ المراد به من كان بتلك الصفة ، ولاَن كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم) (5).
____________
1) الكشّاف 1 : 318 .
3) الجامع لاَحكام القرآن 2 : 154 .
4) مجمع البيان 1 : 244 . وتفسير المراغي 2 : 6 . وتفسير المنار 2 : 5 .
5) الجرح والتعديل 1 : 7 . والكفاية في علم الرواية : 46 . والاِصابة 1 : 6 . والاستيعاب 1 : 2 . ومقدمة ابن الصلاح : 427 . وشرح الكوكب المنير 2 : 474 .
6) مجمع البيان 1 : 224 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 29 )
وجعل أحمد مصطفى المراغي شرطاً للاتصاف بالعدالة والوسطية ، وهو اتّباع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن لم يتبعها يعتبر خارجاً عن هذه الاُمّة فقال : فنحن إنّما نستحق هذا الوصف إذا اتّبعنا سيرته وشريعته ، وهو الذي يحكم على من اتّبعها ومن حاد عنها وابتدع لنفسه تقاليد أُخرى وانحرف عن الجادّة ، وحينئذٍ يكون الرسول بدينه وسيرته حجّة عليه بأنّه ليس من أُمتّه.. وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين) (1).
وذهب إلى هذا الرأي محمد رشيد رضا في تفسير المنار (2).
وخصّص العلاّمة الطباطبائي هذه الصفة بالاَولياء دون غيرهم ، فقال : (ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة ليست تنالها جميع الاُمّة ، إذ ليست إلاّ كرامة خاصة للاَولياء الطاهرين منهم) (3).
وقال ـ أيضاً ـ : (فالمراد بكون الاُمّة شهيدة أنّ هذه الشهادة فيهم ، كما أنّ المراد بكون بني إسرائيل فضّلوا على العالمين ، أنّ هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف بها كل واحد منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه) (4).
ومما يشهد على أنَّ المقصود ليس أفراد الاُمّة ، هو أنَّ الذين ذهبوا إلى حجية إجماع الاُمّة استندوا إلى هذه الآية ، واعتبروا إجماع الاُمّة هو الحجّة دون النظر إلى الاَفراد فرداً فرداً ، كما حكى عنهم الشريف
____________
1) تفسير المراغي 2 : 6 .
2) تفسير المنار 2 : 5 .
3) الميزان في تفسير القرآن 1 : 321 .
4) الميزان في تفسير القرآن 1 : 321 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 30 )
المرتضى (1)َوأبو حيان الاَندلسي (2).
وأكدّ علاء الدين البخاري على أنّ المقصود هو مجموع الاُمّة فقال : (فيقتضي ذلك أن يكون مجموع الاُمّة موصوفاً بالعدالة ، إذ لا يجوز أن يكون كل واحد موصوفاً بها ، لاَنّ الواقع خلافه) (3).
وبعد ، فإنَّ من غير الصحيح الاستدلال بالآية الكريمة على عدالة الصحابة أجمعين ، أمّا على تفسير العلاّمة الطباطبائي فالاَمر واضح ، وأمّا على ما ذكرنا سابقاً من ضرورة لحاظ آيات القرآن الكريم كلّها وضمّ بعضها إلى البعض الآخر ، فهي وانْ شملت الاَفراد لكن «الذين آمنوا» فقط ، دون «الذين في قلوبهم مرض» و «المنافقين» ، وأمّا على أقوال الجمهور ، فلا يمكن أن يكون المقصود أفراد الاُمّة واحداً واحداً ليستفاد منها عدالة الصحابة ، لاَن الواقع خلافه كما نصّ عليه العلاء البخاري .
فالآية الكريمة جعلت المسلمين أُمّة وسطاً أو عدلاً ، وهذه الوسطية والعدلية ممتدة مع امتداد الاُمّة الاِسلامية في كلِّ عصر وزمان ، فالاُمّة الاِسلامية في مراحل لاحقة هي أُمّة وسط في عقيدتها وشريعتها وتطبيقها للمنهج الاِسلامي ، وفي مرحلتنا الراهنة حينما نقول إنّ الاُمّة الاِسلامية أُمّة وسط أو أُمّة عادلة ، يصح القول إذا كان المقصود مجموع الاُمّة ، أمّا سراية الوسطية والعدلية للاَفراد فرداً فرداً فلا تصح ، لاَنّ الواقع يخالف ذلك ، فكثير من المسلمين بعيدون عن الاِسلام كلّ البعد في تصوراتهم
____________
1) الشافي في الاِمامة 1 : 232 وما قبلها .
2) تفسير البحر المحيط 1 : 421 .
3) كشف الاَسرار ، لعلاء الدين البخاري ، دار الكتاب العربي ـ بيروت 1394 هـ .

--------------------------------------------------------------------------------

( 31 )
ومشاعرهم ومواقفهم ، فكيف نعمّم العدالة على الاَفراد ؟ وما نقوله هنا نقوله في حقّ أفراد الاُمّة في زمن النزول ، فالآية مختصة بمجموع الاُمّة بما فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة: والمهاجرون والاَنصار السابقون للخيرات والذين لم يخالفوا الاَوامر الاِلهية والنبوية طرفة عين ، واستمروا على ذلك حتى بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الآية الثالثة : قال تعالى : ( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تبيَّنَ لهُ الهدى ويتَّبِع غيرَ سبيلِ المؤمنين نولِّه ما تولّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءت مصيراً ) (1).
استدل البعض على طهارة وعدالة جميع الصحابة فرداً فرداً بهذه الآية الكريمة ومنهم عبدالرحمن الرازي (2).
ووجه الاستدلال : أنّ الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ، فيكون اتّباع سبيلهم واجباً ، ولا يصح الاَمر باتّباع سبيل من يجوز عليهم الانحراف والريبة والفسق .
ولا علاقة للآية بمسألة عدالة الصحابة أبداً كما لا يخفى . ومع التنزل فإنّ الاستدلال بهذه الآية على عدالة جميع الصحابة فرداً فرداً لا يصح من عدة وجوه :
الاَول : ذهب كثير من المفسرِّين والمتكلمين إلى أنَّ المقصود بسبيل المؤمنين هو مجموع الاُمّة ، ومنهم القصّار المالكي والسبكي (3).

____________
1) سورة النساء 4 : 115 .
2) الجرح والتعديل ، لعبدالرحمن الرازي 1 : 7 .
3) المقدمة في الاُصول ، للقصّار المالكي : 45 . والابهاج في شرح المنهاج ، للسبكي 2 : 353 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 32 )
الثاني : المراد بسبيل المؤمنين هو الاجتماع على الاِيمان وطاعة الله ورسوله ، فإنَّ ذلك هو (الحافظ لوحدة سبيلهم) (1).
الثالث : أن يكون سبيل المؤمنين خالياً من الاثم والعدوان ، كما ورد في الآيات الكريمة ، ومنها : قوله تعالى : ( وتَعاونُوا على البرِّ والتَّقوى ولا تَعاونُوا على الاِثمِ والعُدوانِ ) (2)، وقوله تعالى : ( يا أيُّها الذين آمنُوا إذا تناجَيتُم فلا تَتَناجَوا بالاِثمِ والعُدوانِ ومعصِيةِ الرَّسُولِ وتناجَوا بالبّرِ والتَّقوى) (3).
فالله تعالى ينهى عن التعاون والمناجاة بالاِثم والعدوان ، لاِمكان وقوعه من قبل المسلمين .
الرابع : اختلف الصحابة فيما بينهم حتى وصل الحال بهم إلى الاقتتال، كما حدث في معركة الجمل وصفين ، فيجب على الرأي المتقدم اتّباع الجميع ، اتّباع علي بن أبي طالب عليه السلام والخارجين عليه ، وهذا محال ، واتّباع أحدهم دون الآخر يعني عدم اتّباع الجميع بل البعض منهم ، وهذا هو الوجه الصحيح ، وهو وجوب اتّباع من وافق الحق والشريعة وليس اتّباع كل سبيل .
فالسبيل المقصود هو سبيل المؤمنين الموافق للحق وللاَُسس الثابتة في الشريعة ، وليس هو سبيل كلّ فرد من أفراد المؤمنين .
وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى استحالة توزيع سبيل المؤمنين على
____________
1) الميزان في تفسير القرآن 5 : 82 .
2) سورة المائدة 5 : 2 .
3) سورة المجادلة 58 : 9 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 33 )
الاَفراد فقال : (إنّ لفظ الاُمّة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الاُمّة وأفراد المؤمنين) (1).
الآية الرابعة : قال الله تعالى : ( يا أيُّها النَّبيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ ) (2).
في هذه الآية تطييب لخاطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الله حسبه أي كافيه وناصره ومؤيده على عدوه ، واختلف في بيان المقصود من ذيل الآية ، فقال مجاهد : (حسبك الله والمؤمنون) (3)، فجعل المؤمنين معطوفين على الله تعالى ، فالله تعالى والمؤمنون هم الذين ينصرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤيدوه .
وذهب ابن كثير إلى جعل المؤمنين معطوفين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنّ الله تعالى ناصرهم ومؤيدهم فقال : (يخبرهم أنّه حسبهم ، أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم) (4).
وذكر العلاّمة الطباطبائي كلا الرأيين ورجَّحَ الرأي الاَول (5).
وهنالك قرينة تدل على ترجيح الرأي الاَول ، وهي قوله تعالى : (...فإنَّ حَسْبَكَ اللهُ هو الذي أيَّدَكَ بنصرِهِ وبالمؤمنين ) (6).
والآية تسمّي من كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين سواء كان الله تعالى
____________
1) أعلام الموقعين 4 : 127 .
2) سورة الانفال 8 : 64 .
3) الدر المنثور 4 : 101 .
4) تفسير القرآن العظيم 2 : 337 .
5) الميزان في تفسير القرآن 9 : 121 .
6) سورة الانفال 8 : 62 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 34 )
ناصره وناصرهم ، أو كان الله والمؤمنون ناصرين له صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا دلالة على أكثر من ذلك .
وقد ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الآية تدل على ثبوت عدالة الصحابة أجمعين وطهارتهم (1). وجعلوا الآية شاملة لجميع الصحابة حتى الذين لم يشتركوا في أي غزوة من الغزوات ، وهذا التعميم بحاجة إلى دليل ، ولا يكفي أن نقول : إنَّ العبرة بعموم اللفظ لابخصوص المورد ، فالآية قد نزلت في مورد خاص وفي معركة بدر بالخصوص ، فكيف نعمّمها على جميع الصحابة حتى الذين كانوا يقاتلون في صف المشركين ثم أسلموا فيما بعد؟
وتسالم المفسرون على نزول الآية في مورد خاص وهو غزوة بدر ، وفي جماعة خاصة من الصحابة ، وهم الصحابة الاَوائل الذين اشتركوا في الغزوة ولم يتخلّفوا ، لا في مطلق الصحابة .
فقيل : أنّها نزلت في الاَنصار (2).
وقيل : أنّها نزلت في الاَربعين الذين أسلموا في بداية البعثة (3).
وعن الاِمام محمد الباقر عليه السلام : « أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب » (4).
والجامع المشترك لهذه الآراء أنّها نزلت في الصحابة الذين شاركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القتال .

____________
1) الكفاية في علم الرواية : 46 . والاِصابة في تمييز الصحابة 1 : 6 .
2) التفسير الكبير 15 : 191 . والدر المنثور 4 : 101 .
3) أسباب النزول ، للسيوطي : 183 . والدر المنثور 4 : 101 .
4) شواهد التنزيل ، للحسكاني 1 : 230 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 35 )
وبهذا يتضح عدم صحة ما ذهب إليه الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني من شمولها لجميع الصحابة فرداً فرداً ، فالمتسالم عليه أنّ عدد الصحابة الذين اشتركوا في غزوة بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أمّا بقية الصحابة الذين أسلموا فيما بعد وخصوصاً بعد فتح مكة ، فقد كان بعضهم في صفوف المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف تشملهم الآية التي نزلت لتطييب خاطر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبلاغه بأنّ الله تعالى كافيه وناصره على أعدائه الذين جمعوا له للقضاء عليه وعلى رسالته ، وجميعهم من الصحابة الذين أسلموا فيما بعد ، كمعاوية ، وعمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد وغيرهم !
ومع نزول الآية في الصحابة الاَوائل ، إلاّ أنّها مشروطة بحسن العاقبة ، كما سيأتي فيما بعد (1).
وهذا كلّه بحسب الاَقوال والآراء في معنى الآية ونزولها .
أمّا بالنظر إلى ما قدّمناه فإنّ الآية المباركة تقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ ) وهل يعمّ هذا اللسان غير «الذين آمنوا» من «الذين في قلوبهم مرض» ومن «المنافقين» ؟!
الآية الخامسة : قال الله تعالى : ( والسّابِقُونَ الاَوّلُونَ مِنَ المهاجرِينَ والاَنصارِ والَّذينَ اتّبعُوهُم بإحسانٍ رّضيَ اللهُ عنهُم ورضُوا عنهُ وأعدَّ لهُم جنّاتٍ تجري تَحتَها الاَنهارُ خالدِينَ فيها أبداً... ) (2).

____________
1) راجع الآية السابعة من هذا الفصل .
2) سورة التوبة 9 : 100 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 36 )
في هذه الآية ثناء من الله تعالى للسابقين من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم بإحسان ، وتصريح منه تعالى برضاه عنهم لما قدّموا من تضحيات في سبيل الله .
واختلف المفسرون في مصداق السابقين على آراء (1):
الرأي الاَول : أهل بدر .
الرأي الثاني : الذين صلّوا إلى القبلتين .
الرأي الثالث : الذين شهدوا بيعة الرضوان .
واختلفوا في تفسير التابعين على آراء :
الاَول : هم الاَنصار ، على قراءة من حذف الواو من قوله (والّذين) (2).
الثاني : هم المسلمون الذين جاءوا بعد المهاجرين والاَنصار (3).
الثالث : هم المسلمون الذين جاءوا بعد عصر الصحابة (4).
الرابع : هم المسلمون في كلِّ زمان إلى أن تقوم الساعة (5).
واستدل الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني وابن النجّار حسب رأيهم المعروف بهذه الآية على رضوان الله تعالى عن جميع الصحابة
____________
1) مجمع البيان 3 : 64 . والجامع لاَحكام القرآن 8 : 236 . والكشاف 2 : 210 . وتفسير القرآن العظيم 2 : 398 . والدر المنثور 4 : 269 .
2) التفسير الكبير 16 : 171 .
3) المصدر السابق 16 : 172 .
4) الجرح والتعديل 1 : 8 .
5) الدر المنثور 4 : 272 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 37 )
الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن أسلموا فيما بعد ، أو ارتدّوا ثم عادوا إلى الاِسلام ، حسب تعريفهم للصحابة ، وبهذا الرضوان كانوا عدولاً (1).
وهذا الاستدلال خلاف للواقع ، فالآية مختصّة بالمهاجرين والاَنصار الذين سبقوا غيرهم في الهجرة والنصرة ، من غير «الذين في قلوبهم مرض» و «المنافقين» أمّا التبعية لهم فمشروطة بالاِحسان ، سواء فُسِّر باحسان القول فيهم كما ذهب الفخر الرازي (2)، أو حال كونهم محسنين في أفعالهم وأقوالهم ، كما قال المراغي : (فإذا اتّبعوهم في ظاهر الاِسلام كانوا منافقين مسيئين غير محسنين ، وإذا اتّبعوهم محسنين في بعض أعمالهم ومسيئين في بعض كانوا مذنبين) (3).
فمن لم يحسن القول فيهم أو من لا يتبعهم بإحسان لا يكون مستحق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://maktabtthkaraliraq.gid3an.com
مدير المكتبة
Admin
avatar

المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 52

مُساهمةموضوع: رد: الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ   الثلاثاء مايو 01, 2012 2:35 pm

بقية الموضوع



1)الكفاية في علم الرواية : 46 . والاصابة 1 : 6 . وشرح الكوكب المنير 2 : 472 .
2) التفسير الكبير 16 : 172 .
3) تفسير المراغي 11 : 11 .
4) الكامل في التاريخ 3 : 472 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 38 )
كعمّار بن ياسر وذي الشهادتين وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وغيرهم كما هو مشهور ؟!
وإضافة إلى ذلك فرضوان الله تعالى مشروط بحسن العاقبة كما ورد عن البراء بن عازب ، حينما قيل له : (طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة) ، فقال للقائل : (... إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده) (1).
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (2) .
الآية السادسة : قال تعالى : ( لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنينَ إذ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فتحاً قرِيباً ) (3).
أثنى الله تعالى على الصحابة «المؤمنين» الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة ، وهي بيعة الرضوان ، ومصداق الثناء هو رضوان الله عنهم وإنزال السكينة على قلوبهم .
وعلى الرغم من نزول الآية في بيعة الرضوان عام الحديبية واختصاصها بالمبايعين فقط ، وعددهم ـ حسب المشهور من الروايات ـ كان ألفاً وأربعمائة (4)وهي بقرينة الآيات الاُخرى مخصّصة بالذين آمنوا ولم يكن في قلوبهم مرض ، واستقاموا على الاِيمان ولم ينحرفوا عن لوازم البيعة ، إلاّ أنّ الخطيب البغدادي أدرج جميع الصحابة في هذه الآية ،
____________
1) صحيح البخاري 5 : 160 .
2) مسند أحمد 6 : 19 .
3) سورة الفتح 48 : 18 .
4) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 322 . والسيرة النبوية ، لابن كثير 3 : 324 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 39 )
وتابعه ابن حجر العسقلاني مستشهداً برأيه (1)، ولهذا ادّعوا عدالة جميع الصحابة كما هو المشهور في تعريفهم للصحابي .
وهذا الادّعاء غير صحيح ، فرضوان الله وسكينته مختصة بالمبايعين الموصوفين بما ذكرناه فقط ، أمّا غيرهم فخارج عن ذلك ، ولاَنّ سبب البيعة هو وصول الخبر بمقتل عثمان من قبل المشركين بعد أن أرسله صلى الله عليه وآله وسلم مبعوثاً عنه إلى قريش، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيعة على قتال المشركين (2)، وهؤلاء المشركون هم الذين أسلموا فيما بعد وأصبحوا من الصحابة ، فكيف يشملهم رضوان الله وسكينته ، وهم السبب الاَساسي في الدعوة إلى البيعة ، فكيف يُعقل أن يكون رضوان الله شاملاً للمبايعين وللمراد قتالهم في آن واحد ؟!
وإضافة إلى ذلك فإنّ الاَجر المترتب على البيعة موقوف على الوفاء بالعهد ، كما جاء في الآية الكريمة : ( إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهِمْ فمن نَكَثَ فإنَّما يَنكُثُ على نفسِهِ وَمَنْ أوفى بما عاهَدَ عَلَيه اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً ) (3)، فرضوان الله وسكينته مشروطة بالوفاء بالعهد وعدم نكثه (4).
وكل ذلك مشروط بحسن العاقبة كما في رواية البراء بن عازب المتقدِّمة ، ولم تمضِ على البيعة إلاّ أيام معدودة حتى عقد رسول
____________
1) الكفاية في علم الرواية : 46 . والاِصابة 1 : 6 ـ 7 .
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 330 .
3) سورة الفتح 48 : 10 .
4) الكشّاف 3 : 543 . ومجمع البيان 5 : 113 . وتفسير القرآن العظيم 4 : 199 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 40 )
الله صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة الصلح في الحديبية ، فدخل الشك والريب قلوب بعض الصحابة حتى خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يستجيبوا له حينما أمرهم بالحلق والنحر (1)إلاّ بعد التكرار وقيامه بنفسه بالحلق والنحر ، وهذا يدّل على أنّ لحسن العاقبة دوراً كبيراً في الحكم على البعض بالعدالة وعدمها، فرضوان الله تعالى إنّما خصص بالبيعة ، ولا دليل لشموله لجميع المراحل التي تعقب مرحلة البيعة ، فمثلاً أنّ قاتل عمّار بن ياسر في صفين كان من المبايعين تحت الشجرة (2). وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمّار : « قاتِلهُ وسالبه في النار » (3)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية ، عمّار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النّار » (4).
الآية الثامنة : قال الله تعالى : ( مُحَمّدٌ رسُولُ اللهِ والَّذينَ معَهُ أشدّاءُ على الكفّار رُحماءُ بَينَهُم تراهُم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغُونَ فضلاً من اللهِ ورضواناً... وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ مِنهُم مَغفِرةً وأجراً عظيماً ) (5).
وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأنّهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، عرفوا بالركوع والسجود وابتغاء الفضل والرضوان من الله ، ووعد تعالى المؤمنين منهم والذين عملوا الصالحات مغفرة وأجراً عظيماً.

____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 55 . والكامل في التاريخ 2 : 205 .
2) الفصل في الاَهواء والملل والنحل 4 : 161 .
3) سير أعلام النبلاء 1 : 420 ـ 426 . والطبقات الكبرى 3 : 261 . وأُسد الغابة 4 : 47 . وكنز العمّال 13 : 531 | 7383 . ومجمع الزوائد 9 : 297 وقال : رجاله رجال الصحيح .
4) صحيح البخاري 4 : 25 . وبنحوه في العقد الفريد 5 : 90 . والكامل في التاريخ 3 : 310 .
5) سورة الفتح 48 : 29 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 41 )
وقد أُختلف في الصحابة الذين نزلت فيهم الآية ، فذهب ابن الصلاح وابن النجّار إلى أنّ الآية شاملة لكلِّ الصحابة (1).
وذهب آخرون إلى أنّ الآية خاصة بالذين آمنوا وعملوا الصالحات من الصحابة ، وإلى هذا الرأي أشار العلاّمة الطباطبائي بالقول : (... ضمير «منهم» للذين معه ، و «من» للتبعيض على ما هو الظاهر المتبادر... ويفيد الكلام اشتراط المغفرة والاَجر العظيم بالاِيمان حدوثاً وبقاءً ، وعمل الصالحات ، فلو كان منهم من لم يؤمن أصلاً كالمنافقين الذين لم يعرفوا بالنفاق... أو آمن أولاً ثم أشرك وكفر... أو آمن ولم يعمل الصالحات ، لم يشمله وعد المغفرة والاَجر العظيم .
وقيل : إنَّ «من» في الآية بيانية لا تبعيضية ، فتفيد شمول الوعد لجميع الذين معه ، وهو مدفوع... بأنّ «من» البيانية لا تدخل على الضمير مطلقاً...) (2) .
والآية الكريمة نزلت في أصحاب بيعة الرضوان ومن شهد الحديبية(3) وتعميمها على الصحابة جميعاً ـ حتى الذين أسلموا بعد صلح الحديبية ـ بحاجة إلى دليل .
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين كانوا معه والرحماء بينهم والاَشدّاء على الكفّار هم الذين شهدوا الحديبية ، أمّا غيرهم فكان باقياً على كفره
____________
1) مقدمة ابن الصلاح : 427 . وشرح الكوكب المنير : 474 .
2) الميزان في تفسير القرآن 18 : 301 ـ 302 .
3) تفسير الماوردي 5 : 309 . وأسباب نزول القرآن ، للواحدي 397 . وأسباب النزول ، للسيوطي: 341 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 42 )
ولم يسلم إلاّ بعد فتح مكة ، فكيف يصح التعميم ؟!
وصفات الرحمة بينهم والشدة على الكفّار ، هي التي أوجبت لهم المغفرة والاَجر من الله تعالى ، ومن لا يتصف بهذه الصفات فخارج موضوعاً عنهم ، وقد حذّرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتتال الداخلي فقال : «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (1).
فقد قتل عبدالرحمن بن عديس البلويّ عثمان بن عفان ، وعبدالرحمن من الذين بايعوا بيعة الرضوان (2)، وحارب معاوية الاِمام عليّاً عليه السلام ، بعد أن أهدى إلى قيصر الروم ذهباً وفضة ليتفرغ إلى حرب الاِمام عليّ عليه السلام (3)، فكان مخالفاً لصفة الذين آمنوا وهي الرحمة بينهم والشدة على أعدائهم ، فقد وادع عدوّه ، وحارب وليّه . وقتل في معركة صفيّن خيار الصحابة ومن المهاجرين الاَوائل ، كعمّار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين .
وقتل معاوية الصحابي حُجر بن عديّ ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقه وحق من قتل معه: « يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات »(4)
وإذا برّر البعض ما فعله معاوية بأنّه كان مجتهداً ـ كما سيأتي ـ فلااجتهاد لبسر بن أرطأة حينما قتل طفلين لعبيدالله بن العبّاس بن
____________
1) مسند أحمد 6 : 19 . وصحيح البخاري 1 : 39 . وصحيح مسلم 1 : 82 .
2) تاريخ المدينة المنوّرة 4 : 155 .
3) الاِمامة والسياسة 1 : 98 .
4) تاريخ اليعقوبي 2 : 231 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 43 )
عبدالمطلب (1) .
وهذه الاَحداث تدل على انتزاع صفة الرحمة من بعض الصحابة ، فكيف يدخلون في عموم الآية ؟!
الآية التاسعة : قال تعالى : ( للفُقَراءِ المُهاجرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ ديارِهِم وأموالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ ورِضواناً وينصُرُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أولئكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (2).
ويلحق بها قوله تعالى : ( والَّذِينَ تَبَوَّؤا الدارَ والاِيمانَ مِن قَبلِهِم يُحبُّونَ مَنْ هاجرَ إليهِم ولا يَجدُونَ في صُدُورِهِم حَاجَةً ممَّا أوتُوا وَيُؤثِرونَ على أنفُسِهِم ولو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ ) (3).
وقوله تعالى : ( والَّذينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِم يقُولُونَ ربَّنا اغفِر لَنا ولاِخواننا الَّذينَ سَبقُونا بالاِيمانِ ولا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاًّ للَّذِينَ آمَنْوا رَبَّنا إنَّكَ رؤوفٌ رَحِيمٌ) (4).
أثنى الله تعالى على الصحابة من المهاجرين والاَنصار والذين آمنوا فيما بعد ، والظاهر من الثناء اختصاصه بالمجموع لا بالاَفراد فرداً فرداً، لاَنّ الثناء انصبَّ على خصائصهم المشرقة النبيلة المتمثلة بنصرهم لله ورسوله والاِيثار على النفس ، والدعاء للسابقين بالمغفرة ، ونزع الغل ـأي العداوة ـ من قلوب الذين آمنوا بعد الهجرة ، فَمَن يتَّصف بهذه الصفات
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 384 . وشرح نهج البلاغة 1 : 340 .
2) سورة الحشر 59 : 8 .
3) سورة الحشر 59 : 9 .
4) سورة الحشر 59 : 10 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 44 )
يستحق الثناء .
وقد وردت تفاسير عديدة تؤكد أنّ المراد بالصادقين بعض المؤمنين وليس جميعهم (1) .
ولا ريب في أنّ المراد من هذا البعض هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم والمخلصون لله سبحانه في جميع حالاتهم ، فالآية لا تعم الذين في قلوبهم مرض ، والذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم .
بينما ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الثناء يشمل جميع أفراد المؤمنين ، أي الصحابة فرداً فرداً (2)، فهم الصادقون والمفلحون .
لكنَّ هذا القول يدفعه الثابت من سير بعض الصحابة وتاريخهم ، فإذا تتبّعنا سيرة بعض الصحابة نجدهم قد بدّلوا الدعاء بالغفران للسابقين إلى اللعن والشتم ، والدعاء برفع الغلّ والعداوة إلى العداء الحقيقي الذي وصل إلى حدِّ استحلال قتل من تقدّمهم بالاِيمان والهجرة ، فكيف تشملهم الآية ؟!
وكان معاوية وولاته يسبونَّ الاِمام عليّاً عليه السلام من على منابر المسلمين (3).
ووضع معاوية قوماً من الصحابة على رواية أخبار قبيحة في الاِمام عليّ عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، ويجعل لهم هدايا من بيت المال
____________
1)مختصر تاريخ دمشق 18 : 10 . وشواهد التنزيل : 351 . والدر المنثور 4 : 316 .
2) الكفاية في علم الرواية : 46 . والاِصابة 1 : 6 ـ 7 .
3) مسند أحمد 7 : 455 . والمعجم الكبير 23 : 323 . والعقد الفريد 5 : 115 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 45 )
مقابل ذلك (1) .
فأين الدعاء بالمغفرة ، والدعاء برفع الغلّ والعداوة ؟ وهل يصح الاجتهاد في سبّ المهاجرين الاَوائل المنزّهة قلوبهم من أيّ مرض ؟!
وقد اعترف مروان بن الحكم بأنّ سبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام لا مبرّر له إلاّ الحفاظ على كرسي الحكم بعد أن أثبت براءته من دم عثمان ، حيثُ جاء في قوله للاِمام علي بن الحسين عليهما السلام : (ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم) فقال عليه السلام : «فَلِمَ تشتمونه على المنابر ؟ » قال مروان : (لا يستقيم لنا الاَمر إلاّ بذلك)(2).
فمن بدّل الدعاء بالغفران ورفع الغلّ بالشتم والقتال ، لا يكون مصداقاً للآيات المتقدّمة .
وخلاصة ما تقدَّم أنّ الآيات النازلة بحق الصحابة والثناء عليهم ، لم تكن شاملة لجميع الاَفراد ، فبعضها ناظر إلى المجموع بما هو مجموع دون السراية إلى الاَفراد ، وبعضها مختصّ بطائفة منهم وضمن مواصفات خاصّة ، وبعضها مشروط بشروط معينة ، وبعضها مشروط بحسن العاقبة .

____________
1) شرح ابن أبي الحديد 4 : 63 .
2) شرح ابن أبي الحديد 13 : 220 . وبنحوه في أنساب الاشراف 2 : 184 .
آيات الذم والتقريع
ابتعد كثير من الصحابة في مواقفهم وسلوكهم عن المنهج الاِلهي المرسوم لهم ، وخالفوا القواعد الاَساسية للسلوك الاِسلامي ، فنزلت الآيات في ذمّهم وتقريعهم ، وسنذكر بعض هذه الآيات حسب ترتيبها في القرآن الكريم .
الآية الاُولى : قال تعالى : ( ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الاَعرابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أهلِ المدينةِ مَردُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعلَمُهُمْ ) (1).
النفاق قسمان : قسم واضح وظاهر للعيان ، وقسم خفي لا يعلمه إلاّ الله، لاَنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً (2).
أو كما وصفهم الفخر الرازي : (إنّهم تمرّنوا في حرفة النفاق ، فصاروا فيها استاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك) (3).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع المسلمين حسب ظواهرهم ولايتابعهم أو يعلن عن أسماء المنافقين الذين يعرفهم ، فعن أبي الدرداء أنَّ رجلاً يقال له حرملة.. قال : يا رسول الله : إنّه كان لي أصحاب من المنافقين ، وكنت رأساً فيهم ، أفلا آتيك بهم ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « من أتانا
____________
1) سورة التوبة 9 : 101 .
2) راجع الكشّاف 2 : 211 .
3) التفسير الكبير 16 : 173 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 47 )
استغفرنا له ، ومن أصرَّ فالله أولى به ، ولا تخرقنَّ على أحد ستراً » (1).
فوجود منافقين بين الصحابة ، يعني أنّنا لا نستطيع أن نحكم على أفراد الصحابة بالخيرية والعدالة ، وإنّما ننظر إلى سلوكهم ومواقفهم العملية ، فمن كان سلوكه وموقفه مطابقاً لقواعد الاِسلام الثابتة فهو من الاَخيار والعدول ، ومن لم يكن كذلك ، فلا نحكم عليه بالخيرية والعدالة ، وإنّما نصفه بالوصف الذي يستحقّه دون الحاجة إلى تبرير سلوكه وموقفه تارة بالتأويل وأُخرى بالاجتهاد ، فما دام النفاق موجوداً لدى بعضهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّه مستمر بالوجود بعد وفاته ، وخصوصاً أنّ المنافقين أصبحوا في مأمنٍ من كشف الوحي أسرارهم .
الآية الثانية : قال الله تعالى : ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ على حَرْفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتنَةٌ انقلبَ على وجهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرةِ...) (2).
نزلت الآية في الذين أسلموا إسلاماً غير مستقر ، قال الزمخشري : (على حرف : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة... قالوا : نزلت في أعاريب قدموا المدينة ، وكان أحدهم إذا صحّ بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً ، وولدت امرأته غلاماً سوياً ، وكثر ماله وماشيته ، قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلاّ خيراً... وإن كان الاَمر بخلافه قال : ما أصبت إلاّ
____________
1) تفسير القرآن العظيم 2 : 399 .
2) سورة الحج 22 : 11 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 48 )
شرّاً) (1) . ونحو ذلك قال ابن كثير (2).
والاَعراب هم قوم من الصحابة ، لاَنّهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو ساعة من نهار حسب تعريف المشهور ، وإنَّ درجات إيمانهم تتناسب طردياً مع ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية ، فهم بين اندفاع وانكماش وبين تقدّم وتراجع تبعاً للظروف ، وهؤلاء وإن أسلموا ورافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الوقت ، إلاّ أنّ الاِيمان لم يدخل قلوبهم ، كما عبّر عنهم القرآن الكريم : (قالتِ الاَعرابُ آمنّا قُلْ لم تؤمنُوا ولكِن قُولُوا أسلَمنا ولمّا يَدخُلِ الاِيمانُ في قلوبِكُم... إنّما المؤمنونَ الَّذِينَ آمنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لم يَرتابُوا وجَاهدُوا بأموالِهِم وأنفُسِهم في سبيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ) (3).
ويلحق بهم المؤلفة قلوبهم من الصحابة ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطيهم الاَموال ليتألفهم على الاِسلام ، ومنهم أبو سفيان وأولاده (4).
ومثل هؤلاء الذين يكون ارتباطهم بالاِسلام قائماً على أساس مقدار العطاء ، لا نتوقع أن يكونوا بمستوى المجاهدين الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، ثم لم يرتابوا .
الآية الثالثة : قال الله تعالى : ( إنَّ الَّذينَ جاءُوا بالاِفكِ عُصبَةٌ مِنكُم... لكُلِّ امرىءٍ مِنهُم ما اكتسَبَ مِنَ الاِثمِ والَّذي تولّى كِبرَهُ منهُم لهُ عذابٌ عظيمٌ ) (5).

____________
1) الكشّاف 3 : 7 .
2) تفسير القرآن العظيم 3 : 219 .
3) سورة الحجرات 49 : 14 ـ 15 .
4) ربيع الاَبرار 1 : 788 . ومختصر تاريخ دمشق 11 : 64 . وسير أعلام النبلاء 2 : 106 .
5) سورة النور 24 : 11 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 49 )
نزلت هذه الآية وآيات اُخرى في الصحابة الذي اتهموا إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفاحشة ، فكان بعضهم من المنافقين ، وكان البعض الآخر من الصحابة غير المنافقين ، قال ابن كثير : (جماعة منكم يعني ماهو واحد ولا اثنان ، بل جماعة.. فكان المقدّم في هذه اللعنة عبدالله بن أُبَي بن سلول رأس المنافقين ، فإنّه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به ، وجوزه آخرون منهم ، وبقي الاَمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن) (1).
فقد ارتكب جماعة من الصحابة ذنباً عُدّ من كبائر الذنوب ، فاتهام المسلمة وقذفها من الكبائر ، فكيف والمتّهمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
ولم يحاول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبرئة زوجته محتجاً بأنّ شرف الصحبة له يمنعها من ممارسة ما اتهمت فيه ، وإنّما انتظر الوحي واكتفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : «يامعشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي... ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً » .
فقام سعد بن معاذ الاَنصاري فقال : (يا رسول الله ، أنا أعذرك منه إن كان من الاَوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك) ، فقام سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحميّة ، فقال لسعد : (كذبت ، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله)، فقام أُسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعدٍ ، فقال لسعد بن عبادة : (كذبت ، لعمر الله لنقتلنّه ، فإنّك منافق تجادل عن
____________
1) تفسير القرآن العظيم 3 : 279 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 50 )
المنافقين)(1).
وما جرى بين الصحابة ، من مشادّة واتّهام بالكذب والنفاق يعني تجويز الكذب عليهم ، وتجويز النفاق عليهم ، وإنّ شرف الصحبة لايحصّنهم من ذلك . هذا ما كان يقوله الصحابة أنفسهم في بعضهم ، فهل للجدال فيه معنىً ؟!
الآية الرابعة : قال الله تعالى : ( أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لايَستَوونَ) (2).
نزلت هذه الآية في الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة ، قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط للاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : (أنا أحدّ منك سناناً ، وأبسط منك لساناً) .
فقال له الاِمام علي عليه السلام : « اسكت ، فإنّما أنت فاسق » ، فنزلت الآية ، قال عبدالله بن عباس : (يعني بالمؤمن عليّاً ، وبالفاسق الوليد بن عقبة)(3).
وقد اتّفق كثير من المفسرين في أنّ المراد بالفاسق هو الوليد بن عقبة(4) .
ونزلت آية اُخرى في الوليد بن عقبة ، وسمّته فاسقاً ، وهي قوله تعالى : (يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إن جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أن تُصيبُوا قَوماً بِجهالةٍ
____________
1) صحيح البخاري 6 : 130 .
2) سورة السجدة 32 : 18 .
3) أسباب نزول القرآن ، للواحدي 363 .
4) الكشّاف 3 : 514 . وأسباب النزول ، للسيوطي : 293 . والدر المنثور 3 : 514 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 51 )
فَتُصبِحُوا على ما فَعَلتُم نادِمِينَ ) (1).
وسبب النزول أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث الوليد بن عقبة لجمع صدقات بني المصطلق ، فلمّا شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له فحسبهم مقاتليه ، فرجع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له إنّهم قد ارتدّوا ومنعوا الزكاة ، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروه بعدم صحة قول الوليد ، فنزلت الآية . وهي محل اتّفاق بين المفسرين والمؤرخين في نزولها في الوليد بن عقبة ، وفي تسميته فاسقاً (2).
والوليد بن عقبة كان مشهوراً بالفسق حتى بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي خلافة عثمان بن عفّان كان الوليد أميراً على الكوفة ، فشرب الخمر ، وصلّى بالناس جماعة وهو سكران (3).
وقال ابن حجر العسقلاني : (وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين) (4).
الآية الخامسة : قال الله تعالى : ( وإذ يقُولُ المنافقُونَ والَّذينَ في قُلُوبِهِم مرضٌ ما وَعَدَنا اللهُ ورسُولُهُ إلاّ غُرُوراً ) (5).

____________
1) سورة الحجرات 49 : 6 .
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 309 . وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : 407 . والكشّاف 3 : 559 . وتفسير القرآن العظيم 4 : 224 . والاِصابة 6 : 321 . وأسباب النزول ، للسيوطي : 347 .
3) الاِمامة والسياسة 1 : 32 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 174 . والكشّاف 3 : 559 .
4) الاِصابة 6 : 322 .
5) سورة الاَحزاب 33 : 12 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 52 )
وقال تعالى : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنافقُونَ والَّذينَ في قُلُوبِهِم مرضٌ والمُرجفُونَ في المدينةِ... ) (1).
يذكر الله تعالى صنفين من المسلمين أو من الصحابة : المنافقين ، والذين في قلوبهم مرض ، فكلاهما يشهد الشهادتين ويعترف ولو بالظاهر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً .
وهنالك ثلاثة آراء في معنى ( الَّذينَ في قُلُوبِهِم مرضٌ ) :
فعن محمد بن كعب قال : يعني المنافقين .
وعن عكرمة قال : أصحاب الفواحش .
وعن عطاء قال : كانوا مؤمنين ، وكانوا في أنفسهم أن يزنوا و... (2).
وهذه الاَقوال كلّها واضحة الضعف .
والظاهر أنّ معنى ( الذين في قلوبهم مرض ) : (هم ضعفاء الاِيمان من المؤمنين ، وهم غير المنافقين) (3).
نعم ، هم غير المنافقين ، لاَنّهم الذين تظاهروا بالاِسلام والاِيمان لاخوفاً على أنفسهم وأموالهم بل لاغراض غير ذلك .
وضعفاء الاِيمان يمكن صدور الذنب والمعصيّة منهم ، وقد صدر بالفعل بقولهم : ( ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُروراً ) ، وهذا القول من أعظم
____________
1) سورة الاَحزاب 33 : 60 .
2) الدر المنثور 6 : 662 ـ 663 .
3) الميزان في تفسير القرآن 16 : 286 .

----------------------------------------------------------------------------
يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://maktabtthkaraliraq.gid3an.com
مدير المكتبة
Admin
avatar

المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 52

مُساهمةموضوع: رد: الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ   الثلاثاء مايو 01, 2012 2:38 pm

بقية الموضوع



( 53 )
الذنوب والمعاصي .
وقد حذّر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ترقيق القول ، وقال : (... فلا تخضَعْنَ بالقولِ فَيطمَعَ الَّذي في قلبِهِ مرضٌ... ) (1).
وقال العلاّمة الطباطبائي في تفسيره : ( ( فيطمَعَ الَّذي في قلبِهِ مرضٌ ) وهو فقدانه قوة الاِيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء) (2).
فالذي في قلبه مرض يميل إلى الذنوب والمعاصي حسب درجة قوة وضعف إيمانه وعاقبته إمّا الاستقامة وإمّا الانحراف .
الآيةالسادسة : قال الله تعالى : ( يا نساءَ النَّبِيِّ مَن يأتِ مِنكُنَّ بفاحشةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضاعف لها العذابُ ضِعفَينِ... وَمَن يقنُت منكُنَّ للهِ ورسُولهِ وتعملْ صالِحاً نُؤتِها أجرَها مَرَّتين وَأعتدنا لها رِزقاً كريماً ) (3).
إنّه قد تكون المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر وأطول صحبةً له من الغير ، ولكن لا تأثير لهذه الصحبة في السلوك والموقف العملي ، فهي لا تعصم من الخطأ والزلل إلاّ إذا أعطى الصاحب للصحبة حقّها بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا فالله تعالى يحذّر نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إتيان الفاحشة ، ويهدّد بجعل العذاب ضعفين لقربهنَّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال القرطبي : (لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه ، قوي الاَمر عليهنّ ولزمهنَّ بسبب مكانتهنَّ أكثر ممّا يلزم
____________
1) سورة الاَحزاب 33 : 32 .
2) الميزان في تفسير القرآن 16 : 309 .
3) سورة الاَحزاب 33 : 30 ـ 31 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 54 )
غيرهن فضوعف لهنّ الاَجر والعذاب ، وقيل : إنّما ذلك لعظم الضرر في جرائمهنَّ بايذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).
فالصحبة بمفردها غير عاصمة من الزلل والخطأ ، ويكون الزلل والخطأ أكثر قبحاً إن صدر ممّن صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لاَنَّ الحجّة عليه تكون آكد وأشدّ .
والاَخطاء التي ارتكبت من قبل بعض نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر واقع ، فعن عائشة أنّها قالت : (إنَّ رسول الله كان يمكث عند زينب بنت جحش... فتواطأت أنا وحفصة أن أينّا دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل إني أجدُ منك ريح مغافير ، أكلت مغافير.. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا بل شربتُ عسلاً عند زينب»(2).
وفي رواية أنّ عمر بن الخطاب قال لحفصة : (أتغاضبنَّ إحداكنَّ رسول الله يوماً إلى الليل ؟) قالت : نعم ، قال : (أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فيهلكك ؟) (3).
وقد نزلت آيات عديدة في نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونساء الاَنبياء: ، منها :
قال الله تعالى : ( إنَّ تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَت قُلُوبُكُما وإن تَظَاهَرا عليهِ فإنَّ
____________
1) الجامع لاَحكام القرآن 14 : 174 .
2) سير أعلام النبلاء 2 : 214 . وبنحوه في المعجم الكبير 23 : 310 . والمغافير: جمع المغفار ، وهو صمغ حلو يسيل من بعض الشجر .
3) الطبقات الكبرى ، لابن سعد 8 : 182 . وبنحوه في المعجم الكبير 23 : 209 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 55 )
اللهَ هوَ مولاهُ وجبرِيلُ وصَالحُ المؤمنينَ والملائكةُ بَعدَ ذَلكَ ظَهيرٌ * عسى ربُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبدِلهُ أزواجاً خيراً مِّنكنَّ... ) (1).
وقال الله تعالى : ( ضربَ اللهُ مَثَلاً للَّذينَ كفرُوا امرأتَ نُوحٍ وامرأتَ لُوطٍ كانتا تَحتَ عَبدَينِ مِنْ عِبادِنا صالحَينِ فَخَانَتاهُما فلمْ يُغنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيئاً وقيلَ ادخُلا النَّارَ معَ الداخلينَ ) (2).
وقال تعالى : ( وضربَ اللهُ مثلاً للَّذينَ آمنُوا امرأتَ فِرعونَ... ومريمَ ابنتَ عِمرانَ ) (3).
وفي تفسير الزمخشري للآيات المتقدِّمة قال : (... وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأمّي المؤمنين ـ يعني عائشة وحفصة ـ وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر... وإشارة إلى أنّ من حقهما أن تكونا في الاِخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنّهما زوجا رسول الله ، فإنَّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلاّ مع كونهما مخلصتين...) (4).
فالصحبة الطويلة والكثيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل وشرف ولكنّها غير عاصمة من الزلل ، فلو كانت عاصمة لعصمت أمرأة نوح وامرأة لوط ، فكان مصيرهما النّار ، ولم تنفعهما صحبتهما للنبي .

____________
1) سورة التحريم 66 : 4 ـ 5 .
2) سورة التحريم 66 : 10 .
3) سورة التحريم 66 : 11 ـ 12 .
4) الكشّاف 4 : 131 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 56 )
فالميزان هو الاستقامة والاعتدال ، والاستعداد لهما ، ومجاهدة النفس للوصول إلى مراتب الكمال والعدالة .
الآية السابعة : قال الله تعالى : (... وما كانَ لكُمْ أنْ تُؤذُوا رسُولَ اللهِ ولا أن تنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبداً إنَّ ذلكُم كانَ عند اللهِ عظيماً ) (1).
نزلت هذه الآية في بعض الصحابة الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد روى الطبرسي : (انّ رجلين قالا : أينكح محمد نساءنا ولاننكح نساءه ، والله لئن مات لنكحنا نساؤه ، وكان أحدهما يريد عائشة ، والآخر يريد أُم سلمة) (2).
وعن السدي أنّه قال : (بلغنا أنّ طلحة بن عبيدالله قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمِّنا ويتزوج نساءنا ، لئن حدث به حدث لنتزوجنَّ نساءه من بعد(3) .
وفي رواية أنّ محمد بن عمرو بن حزم ، قال : (إذا توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجت عائشة)(4).
وعن عبدالله بن عباس قال : (إنَّ رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكلمّها وهو ابن عمها ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقومنَّ هذا المقام بعد يومك هذا... فمضى ثم قال : يمنعني من كلام ابنة عمّي ، لاَتزوجنّها من بعده ، فأنزل الله هذه الآية... فأعتق ذلك الرجل رقبة ، وحمل على عشرة أبعرة
____________
1) سورة الاَحزاب 33 : 53 .
2) مجمع البيان 4 : 366 .
3) أسباب النزول ، للسيوطي : 306 .
4) أسباب النزول ، للسيوطي : 306 . والدر المنثور 5 : 215 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 57 )
في سبيل الله ، وحجَّ ماشياً توبةً من كلمته) (1).
وفي هذه الرواية أدرك ذلك الصحابي عظم الذنب ، فتاب إلى الله تعالى، وهذا إن دلَّ على شيء إنّما يدل على أنَّ الصحابي معرّض للانحراف والانزلاق ، وهو يستقيم أحياناً وينحرف أخرى وباب التوبة مفتوح للتائبين .
الآية الثامنة : قال الله تعالى : ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرّسُولَ ولا تُبطِلُوا أعمالَكُم ) (2).
عن أبي العالية قال : (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرون أنّه لا يضرّ مع لا إله إلاّ الله ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت (الآية) ، فخافوا أن يبطل الذنب العمل) (3).
فهذه الآية نزلت لتصحيح المفاهيم الخاطئة ، وأثبتت أنّ الاَعمال الصالحة تبطل بالذنوب .
وقد أكدّ القرآن الكريم على أنّ الذنوب تبطل وتحبط الاَعمال وإن كانت غير واضحة عند مرتكبيها قال تعالى : ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تَرفعُوا أصَواتَكُم فوقَ صوتِ النّبي ولا تَجهرُوا لهُ بالقولِ كجَهرِ بعضِكُم لبعضٍ أن تَحْبَطَ أعمالَكُم وأنتُم لا تَشْعُرونَ ) (4).
____________
1) أسباب النزول ، للسيوطي : 307 .
2) سورة محمد 47 : 33 .
3) أسباب النزول ، للسيوطي : 341 .
4) سورة الحجرات 49 : 2 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 58 )
آيات واضحة الدلالة :
وردت آيات عديدة واضحة الدلالة في وصف واقع الصحابة من حيث قربهم وبعدهم عن المنهج الاِسلامي الثابت في أُسسه وموازينه ، وفيما يلي نستعرض هذه الآيات .
قال الله تعالى : ( وما مُحَمَّدٌ إلاّ رسُولٌ قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقلَبتُم على أعقابِكُم وَمَن يَنقَلِب على عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شيئاً وسيجزي اللهُ الشاكِرِينَ ) (1).
وقال تعالى : ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا يسخَر قومٌ من قَومٍ... ولا تَلمِزُوا أنْفُسَكُم ولا تَنَابزُوا بالاَلقابِ بئسَ الاسمُ الفُسُوقُ بعد الاِيمانِ ومَنْ لم يَتُبْ فأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (2).
وقال تعالى : ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لِمَ تقُولُونَ ما لا تفعلُونَ * كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفعلُونَ ) (3).
وقال تعالى : ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تُلهِكُم أموالُكُم ولا أولادُكُم عن ذكرِ اللهِ وَمَن يَفعلْ ذلكَ فأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ) (4).
ووردت آيات عديدة تتحدث عن دور الاَهواء والمغريات الخارجية ودور الشيطان في منع الاِنسان من الاستقامة والاعتدال ، ووردت آيات عديدة تنهى الصحابة عن ممارسات خاطئة وقعوا فيها، وتحذّرهم من
____________
1) سورة آل عمران 3 : 144 .
2) سورة الحجرات 49 : 11 .
3) سورة الصف 61 : 2 ـ 3 .
3) سورة المنافقون 63 : 9 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 59 )
عذاب الله تعالى ، وتخوفهم من سوء العاقبة بالارتداد والرجوع إلى الكفر ، وكان الترغيب والترهيب هو السائد في أغلب الآيات القرآنية من أجل إصلاح الصحابة وربطهم بالمنهج الاِسلامي ليكون حاكماً على تصوراتهم ومشاعرهم ومواقفهم ، بمعنى أنّ الصحابة يجوز عليهم الاشتباه والخطأ والانحراف والفسق ، بل حتى الارتداد عن دين الله تعالى والكفر بالرسالة ، وقد وقع هذا فعلاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمنهم من مات مرتداً ومنهم من عاد إلى الاِيمان بعد حروب الردّة كما هو مشهور في كتب التاريخ والسيرة ، وإذا جاز على بعض الارتداد ، وقد حصل بالفعل وبالواقع ، فمن الاَولى يجوز عليهم الفسق في السلوك بعد غياب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانقطاع الطاقة الدافعة للاِيمان وللتقوى بانقطاع الوحي عن الاَرض ، لاَنّ عوامل الانحراف والفسق لم تغب عن الواقع ، وهي الاَهواء النفسية والمغريات الخارجية ، ودور الشيطان في ربط بعضها بالبعض الآخر .

--------------------------------------------------------------------------------

( 60 )

--------------------------------------------------------------------------------

( 61 )


الفصل الثالث


الصحابة في السُنّة المطهّرة

وفي السُنّة المطهّرة أيضاً أحاديث كثيرة عن الصحابة يروونها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في بعضها الثناء والمدح لهم والاَمر بحبهم على نحو العموم ، وفي بعضها القدح والذم الشديد والاخبار عن سوء العاقبة للاَكثرية الساحقة منهم ، وفي بعضها المدح أو القدح لاشخاصٍ معينين منهم .
وإذا أردنا أن نصل إلى حقيقة الاَمر وواقع الحال في هذه الاحاديث كان من الضروري النظر فيها من جهة السند ومن جهة الدلالة ودراسة النسب الموجودة فيما بينها .
لكنّا نستعرض فيما يلي طائفةً من الروايات الواردة في المسألة ، مع غض النظر عن أسانيدها :
روايات المدح والثناء :
فهذه أولاً نصوص روايات وردت في الكتب في مدح الاَصحاب عامةً أو المهاجرين والاَنصار كلّهم أو الانصار كلّهم فقط ونحو ذلك :

--------------------------------------------------------------------------------

( 62 )
الرواية الاُولى : « اللّهمَّ امضِ لاَصحابي هجرتهم ، ولا تردّهم على أعقابهم» (1) .
الرواية الثانية : « الاَنصار كرشي وعيبتي» (2).
الرواية الثالثة : « في كلِّ دُور الاَنصار خير » (3).
الرواية الرابعة : « المهاجرون والاَنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة » (4).
الرواية الخامسة : « اللّهمَّ لا عيش إلاّ عيش الآخرة ، فاغفر للمهاجرين والاَنصار» (5) .
الرواية السادسة : قبل بدء القتال في غزوة بدر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «اللّهمَّ إن تَهْلِكَ هذه العصابة اليوم لا تُعبد» (6).
الرواية السابعة : « يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم ، قالوا : بم يارسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : بالثناء الحسن والثناء السيء ، أنتم شهداء الله في الاَرض» (7) .
الرواية الثامنة : « طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى ثم طوبى ـ يقولها
____________
1) صحيح البخاري 5 : 87 ـ 88 .
2)السيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 282 .
3) صحيح مسلم 4 : 1785 .
4) بحار الاَنوار 22 : 311 ، عن أمالي ابن الشيخ : 168 .
5) صحيح البخاري 5 : 137 . وتفسير القمي 1 : 177 .
6) السيرة النبوية ، لابن هشام 2 : 279 .
7) تفسير القرآن العظيم 1 : 197 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 63 )
سبع مرات ـ لمن لم يرني وآمن بي » (1).
الرواية التاسعة : قال له رجلان : يا رسول الله ، أرأيت من رآك فآمن بك وصدّقك واتبعك ، ماذا له ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « طوبى له » (2).
الرواية العاشرة : « لا زال هذا الدين ظاهراً على الاَديان كلها ما دام فيكم من رآني » (3).
الرواية الحادية عشر : « أثبتكم على الصراط أشدّكم حبّاً لاَهل بيتي ولاَصحابي » (4).
الرواية الثانية عشر : كان بين خالد بن الوليد وبين أحد المهاجرين الاَوائل كلام ، فقال خالد له : «تستطيلون علينا بأيامٍ سبقتمونا بها» ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال : « دعوا لي أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ـ أو مثل الجبال ـ ذهباً ما بلغتم أعمالهم » (5).
والظاهر أنّ الروايتين الاَخيرتين ليست عامّة في جميع الصحابة السابقين والمتأخرين في الاِيمان والجهاد ، وإنّما هي مختصة في بعض منهم .
فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين حبّ أهل بيته: وأصحابه ، فلو كان قصده جميع الصحابة لحدث تناقض لاَنّ بعض الصحابة آذى بضعته من
____________
1) الخصال 2 : 342 .
2) بحار الاَنوار 22 : 306 ، عن أمالي ابن الشيخ : 332 .
3) نوادر الراوندي : 15 .
4) نوادر الراوندي : 23 .
5) مجمع الزوائد 10 : 15 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 64 )
بعده ، وبعضهم كان مبغضاً لاَهل بيته ، وقد وصل حد البغض إلى قتالهم واستباحة دمائهم ، فقد حارب معاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وآخرون الاِمام عليّاً عليه السلام ومن بعده الاِمام الحسن عليه السلام ، فكيف يجتمع حب الاِمام عليّ عليه السلام وحبّ معاوية وأتباعه في قلب واحد ، والكلام موجّه إلى الصحابة ، فكيف يوجّه الصحابة إلى حبّ الصحابة ؟
ورواية «دعوا لي أصحابي» مختصة أيضاً ببعض الصحابة ؛ لاَنّ الاَمر موجّه إلى خالد بن الوليد وهو من الصحابة ، يأمره بالكّف عن صحابي آخر، ويقارن بين أعمال المتقدمين في الاِيمان والهجرة والنصرة وأعمال المتأخرين ، فالرواية واضحة الدلالة باختصاصها ببعض الصحابة .
وما تقدّم من ثناء مشروط بشروط ، منها : الاِيمان الحقيقي ، فلا يكون من في قلبه مرض مراداً قطعاً ، والاستقامة على المنهج الاِسلامي وحسن العاقبة ؛ لاَنَّ بعض الصحابة ارتدّوا ثم عادوا إلى الاِسلام، وبعضهم منافقون اسرّوا نفاقهم ، ولكنّه ظهر من خلال أعمالهم ومواقفهم كما سيأتي بيانه .
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بعض الصحابة بأسمائهم ، ووجّه الاَنظار إلى عدد محدود منهم ، فكرّر مدحهم والثناء عليهم وجعلهم الصفوة من بين آلاف الصحابة ، ولم يساو بين السابقين في الهجرة والاِيمان وبين المتأخرين الذين أسلموا خوفاً أو طمعاً .
وفي مقابل الثناء على بعض الصحابة ، وردت أحاديث مفتعلة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحق آخرين من الصحابة .
وقد كثر تزوير الاَحاديث في عهد بني أُمية ، قال ابن عرفة ، المعروف
--------------------------------------------------------------------------------

( 65 )
بنفطويه : (إنّ أكثر الاَحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أُمية، تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أُنوف بني هاشم) (1).
وقال أبو الحسن المدائني : (كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله... أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته) ، ثم كتب : (ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنَّ هذا أحب إليَّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله... فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها... فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة... حتى انتقلت تلك الاَخبار والاَحاديث إلى أيدي الديانين الذين لايستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها) (2).
روايات الذم والتقريع :
شخصية الاِنسان تتحكم فيها عوامل ثلاثة : الفكر ، والعاطفة ، والاِرادة، وهي التي تحدّد موقف الاِنسان وسلوكه في الحياة ، فالاِيمان بعقيدة معينة وفكرة معينة يجعل الشعور الباطني حركة سلوكية في الواقع، ويحوّل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة مع ما يحدّد لها من تعاليم ومفاهيم وقيم ، إن تطابقت الارادة مع أُسس الاِيمان وقواعده ، والاِرادة هي الحد الفاصل بين مرحلة الشعور ومرحلة الواقع ، وبها تتميز
____________
1) شرح نهج البلاغة 11 : 46 .
2) شرح نهج البلاغة 11 : 44 ـ 46 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 66 )
شخصية الاِنسان في الخارج في قرارها النهائي ، وكل هذه العوامل مرتبطة في ظواهرها مع عوامل اُخرى كالوراثة والمحيط الاجتماعي التي تؤثر على تلك العوامل تأثيراً إيجابياً أو سلبياً ، وبالتالي تؤثر على تحديد شخصية الاِنسان ، ولذا نرى الصحابة متفاوتين في شخصياتهم ، فمنهم من هو في قمة التكامل والسمو ، ومنهم من هو في مراتب أدون فأدون ، تبعاً لتفاوت درجات الاِيمان ودرجات الاُنس بالعقيدة والفكر ، ودرجات الارتباط بالقدوة الصالحة المجسدة للعقيدة والشريعة في واقعها السلوكي، والتفاعل مع المغريات والمثيرات الخارجية إندفاعاً وإنكماشاً ، فبعض الصحابة الذين بقي إيمانهم متزعزاً قد نكصوا على أعقابهم وارتدّوا عن الاِسلام ، وبعضهم عاد إلى الاِيمان بعد ردته خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للاَمر الواقع أو قناعة بصحة الرسالة ، وبعضهم لم يقاوم جبهة التصدّع في شخصيته ، فاستسلم للاَهواء واستجاب للمغريات الخارجية كحب الرئاسة وحب المال ، فانحرف عن الاستقامة في موقفه وسلوكه العملي ، ولذا جاءت الروايات في مقام التحذير من الانحراف والنكوص والتردّد ، وجاء بعضها في مقام الذم والتقريع لمواقف سلوكية اتّخذها بعض الصحابة في مراحل حياتهم .
من آثار الجاهلية :
في أحد الاَيام قام أحد الكفّار بتذكير نفر من الصحابة من الاَوس والخزرج بقتلاهم في الجاهلية ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الاَشعار في يوم بعاث ، وهو اليوم الذي اقتتل فيه الاَوس والخزرج ، فهاجتهم تلك الاَشعار وتنازعوا وتفاخروا ، وغضبوا جميعاً ، فخرجوا إلى الحرّة ومعهم السلاح ، وقبل بدء القتال خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
--------------------------------------------------------------------------------

( 67 )
«يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للاِسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألَّف به بين قلوبكم » فعرف القوم أنّها نزعة من الشيطان وكيد من عدّوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الاَوس والخزرج بعضهم بعضاً (1).
فلولا الاسراع في حل الاَزمة لحدث القتال ولبقيت آثاره قائمة ، حدث ذلك ورسول الله بين أظهرهم ، فكيف يكون الوضع لو لم يكن معهم كما حدث بعد رحيله !
وفي أحد الاَماكن ازدحم على الماء أحد المهاجرين وأحد الاَنصار ، فصرخ أحدهم : يا معشر المهاجرين ، وصرخ الآخر ، يا معشر الاَنصار ، وكادت تحدث الفتنة لولا تدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تجاوزها وإشغال المسلمين بالمسير لمدة يومين (2).
وقد خالف خالد بن الوليد المهمة التي كُلِّف بها ، وهي الدعوة السلمية إلى الاِسلام ، وقام بقتل جماعة من بني جذيمة ثأراً لعمّه المقتول في الجاهلية ، وحينما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعمل خالد رفع يديه إلى السماء ثم قال : « اللّهمَّ إنّي أبرأُ إليك ممّا صنع خالد » (3).
الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
كثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، وقد حذّر صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة
____________
1) السيرة النبوية ، لابن هشام 2 : 204 ـ 205 .
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 303 . والطبقات الكبرى ، لابن سعد 2 : 65 .
3) صحيح البخاري 5 : 203 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 61 . وتاريخ الطبري 3 : 67 . والكامل في التاريخ 2 : 256 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 68 )
من الكذب عليه في الحديث والرواية فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
« لا تكذبوا عليَّ فإنَّهُ من كَذَبَ عليَّ فليلج النّار » (1).
« من كذَّب عليَّ فليتبوأ مقعده من النّار » (2).
« من تعمّدَّ عليَّ كذباً فليتبوأ مقعده من النّار » (3).
« من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النّار » (4).
ولتفشي الكذب مطلقاً سواءً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو في الشؤون الاُخرى وتتابعه ، كان صلى الله عليه وآله وسلم يحذّر من ذلك وينهى عن ممارسته بعد وقوعه، وكان يكرّر هذا التحذير في أوقات ومناسبات عديدة ليرتدع الكذّابون عن الكذب ، فقد قام صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً وقال : « ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب ، كما يتتابع الفراش في النّار ! كلّ الكذب يكتب على ابن آدم إلاّ رجل كذب في خديعة حرب ، أو اصلاح بين اثنين ، أو رجل يحدّث امرأته فيرضيها » (5).
ووضّح الاِمام علي عليه السلام أصناف نقلة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقسمهم إلى أربعة :
الاَول : المتعمد للكذب .

____________
1) صحيح البخاري 1 : 38 . وصحيح مسلم 1 : 9 .
2) صحيح البخاري 1 : 38 . وسنن ابن ماجة 1 : 13 .
3) صحيح البخاري 1 : 38 . وصحيح مسلم 1 : 10 .
4) صحيح البخاري 1 : 38 . وبنحوه في المستدرك على الصحيحين 1 : 102 .
5) الدر المنثور 4 : 317 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 69 )
الثاني : المتوهم في نقل الحديث ، إلاّ أنّه غير متعمد .
الثالث : القليل العلم بالناسخ والمنسوخ في الاَوامر والنواهي .
الرابع : الصادق الواضع للحديث في موضعه .
وقال في معرض هذا التقسيم : « إنَّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً... ولقد كُذِبَ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده ، حتى قام خطيباً فقال : من كذبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار » (1).
فالكذب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة لا تقبل التأويل ـ وسيأتي ذكر مصاديقها في البحوث القادمة ـ وهو أشدّ أنواع الكذب تأثيراً في بلبلة المفاهيم والتصورات وخلق الاضطراب في المواقف الخاصة والعامّة ، لما فيه من إغراءٍ بالقبيح والمنكر ، وتحريف للمنهج الاِسلامي الثابت في مفاهيمه وقيمه وموازينه .
روايات التحذير من سفك الدماء لاَجل الدنيا :
حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التنافس على الدنيا ، وخصوصاً في بعض محاورها وهي السلطة التي تسفك من أجلها الدماء ، ويستحل الصحابي دم صحابي مثله من أجل الحصول عليها وعلى المكاسب والمغانم التي تكون وسيلة لوجودها .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ... إنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ، وتُقتلوا ، فتهلكوا ، كما هلك
____________
1) نهج البلاغة : 325 ـ 326 الخطبة 210 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 70 )
من كان قبلكم » (1).
وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بأنّهم سيحرصون على الاِمارة فقال : « إنّكم ستحرصون على الاِمارة ، وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة ، فبئست المرضعة ، ونعمت الفاطمة » (2).
وحذّر صلى الله عليه وآله وسلم من الرجوع إلى الكفر من بعده ، وجعل سفك الدماء علةً لهذا الكفر ، وقد يكون مقصوده صلى الله عليه وآله وسلم هو الكفر الحقيقي ؛ لاَنَّ المؤمن لايستحلَّ دم أخيه ما دام مؤمناً بالله تعالى وبالعقاب يوم القيامة ، وقد يكون مقصوده هو الانحراف الحقيقي عن الاِسلام في الواقع العملي ، وفي صدد ذلك التحذير قال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (3)ُس .
وسيأتي في هذا الشأن تفصيل في الفصل الاَخير .
روايات الارتداد والرجوع على الاَعقاب :
وردت روايات مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكدَّ فيها أنّ النكوص والانقلاب على الاَعقاب واقع بعده من قبل الصحابة .
قال صلى الله عليه وآله وسلم : « أنا فرطكم على الحوض ، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم ، فلاَقولنَّ ربِّ أُصيحابي أُصيحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا
____________
1) صحيح مسلم 4 : 1796 .
2) مسند أحمد 3 : 199 . وبنحوه في تحف العقول : 25 .
3) مسند أحمد 1 : 664 و 6 : 19 . وصحيح البخاري 1 : 41 . وصحيح مسلم 1 : 82 . وسنن ابن ماجة 2 : 130 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 71 )
بعدك (1) .
والرواية واضحة الدلالة في أنّ هؤلاء الاَصحاب كانوا معروفين في الناس بالاستقامة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنّهم انحرفوا من بعده .
وفي رواية أخرى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ليردنَّ على الحوض رجال ممّا صحبني ورآني ، حتى إذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلاَقولنَّ : ربِّ أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (2).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّكم محشورون إلى الله تعالى... ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال ، فأقول : يا ربِّ أصحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : (وكُنتُ عَليهِم شَهيداً مادُمتُ فِيهِم فَلمَّا تَوفَّيتني كُنتَ أنتَ الرقيبَ عَليهِم وأنتَ على كُلِّ شيءٍ شَهيدٌ * إن تُعذِّبهُم فإنَّهم عِبادُكَ وإن تَغْفِر لهُم فإنَّكَ أنتَ العَزيزُ الحَكِيم ) » (3).
والعذاب المذكور في الآية قرينة على ارتكاب الذنب والاتّصاف بالفسق والخروج عن العدالة والاستقامة ، وإلاّ لا موجب لعذاب العادل النزيه .
ومن خلال تتبع الروايات نجد أنَّ الانحراف عن نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والابتعاد عن المفاهيم والقيم الاِسلامية المعبّر عنه بالارتداد والرجوع
____________
1) مسند أحمد 2 : 35 . وبنحوه في صحيح مسلم 4 : 180 .
2) مسند أحمد 6 : 33 . وبنحوه في صحيح البخاري 8 : 148 و9 : 58 .
3) مسند أحمد 1 : 389 . وبنحوه في : صحيح البخاري 6 : 69 ـ 70 ، 122 . والآية من سورة المائدة 5 : 117 ـ 118 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 72 )
على الاَعقاب والتقهقر ، قد عمّ عدداً كبيراً من الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحبة ليست بالقصيرة ، وقد عبّر صلى الله عليه وآله وسلم عن كثرتهم بالقول : « بينا أنا قائم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هَلُمَّ ، فقلت : أين؟ قال : إلى النار والله ، قلتُ : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم... قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم » (1).
والروايات المتقدّمة تنصّ على أنّ المتسائل هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمجيب غيره ، وهنالك روايات تنصّ على أنّ المجيب هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة حيثُ يخاطب بعض أصحابه في يوم القيامة بإثبات إنحرافهم عن الاستقامة بعد رحيله من الدنيا ، كما هو في الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « ما بال أقوام يقولون : إنّ رحمي لا ينفع ، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة ، وإنّي أيُّها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، فأقول قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى » (2).
وتنص الروايات على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبرء منهم ولا يتدخل في إنقاذهم ممّا هم فيه عند ورودهم الحوض ، ففي رواية يقول صلى الله عليه وآله وسلم : «..فأقول أصحابي أصحابي ! فقيل : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ،
____________
1) صحيح البخاري 8 : 151 .
2) المستدرك على الصحيحين 4 : 74 ـ 75 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 73 )
فأقول: بعداً بعداً.. ـ أو ـ سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي » (1).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحذّر من الانحراف بعد رحيله ، ويجعل ملاك التقييم هو حسن أو سوء العاقبة ، ففي رواية أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أُحد : «هؤلاء أشهد عليهم » فقال أبو بكر : (ألسنا يا رسول الله بإخوانهم ؟ أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا) فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « بلى ، ولكن لاأدري ما تحدثون بعدي » (2).
وقد أكدّ بعض الصحابة حقيقة الانحراف عن نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله ، ومن ذلك قول أُبي بن كعب : (مازالت هذه الاُمّة مكبوبةً على وجهها منذ فقدوا نبيّهم) (3).
وقوله : (ألا هلك أهل العقدة ، والله ما آسى عليهم ، إنّما آسى على من يُضلّون من الناس) (4).

____________
1) مسند أحمد 3 : 410 . وبنحوه في صحيح مسلم 4 : 1793 .
2) موطأ مالك 2 : 462 دار احياء التراث العربي ـ بيروت 1370 هـ .
3) شرح نهج البلاغة 20 : 24 .
4) شرح نهج البلاغة 20 : 24 .
الفصل الرابع


الصحابة في التأريخ
للصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله حقّاً دور كبير في انتصار الاِسلام واستمرار وجوده ودوره في قيادة البشرية ، فهم الطليعة التي واكبت مسيرة الرسول منذ انطلاقها ، فقد آمن به وصدّقه عدد من الصحابة في مرحلة من أشد المراحل عليه ، حيثُ تكالبت عليه قوى الكفر والشرك والطغيان وطوّقوا دعوته من كلِّ جانب ، فلم يجد له ناصراً إلاّ الصفوة من الصحابة ، حيثُ خرجوا عن المألوف من العقائد والاَعراف والتقاليد الجاهلية وانضووا تحت لواء الاِسلام وقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن ينتظروا جزاءاً دنيوياً أو عرضاً من أعراض الدنيا ، آمنوا بالله وبرسوله إيماناً حقيقياً في وقت كان الاِسلام ضعيفاً تحيطه الاَعداء من كلِّ حدب وصوب ، لا يجدون ناصراً لهم ولا معيناً يساندهم ويدفع عنهم إلاّ الله ، ولا يجدون القوة التي يواجهون فيها الطغيان سوى قوة الاِيمان بالله ورسوله . فتجاوزوا الواقع الجاهلي ولم يعبئوا بما حولهم من قبائل وشعوب وأمم غارقة في الجهل والانحراف والرذيلة ، وكان الاَمل بالنصر يراود أفكارهم ومشاعرهم ليغيّروا الاَرض ومن فيها ، ويجعلوا الاِسلام في موقعه الريادي في حياة البشرية ، وتحمّلوا من أجل ذلك أصناف العذاب.
--------------------------------------------------------------------------------

( 76 )
وكان من تعذيب المشركين إيّاهم (يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوي جالساً من شدّة الضرّ الذي نزل به) (1).
وكان الصحابة الاَوائل يتقاسمون العذاب والاَذى بإيمان واطمئنان بلا تضعضع ولا تراجع ولا هزيمة روحية ، ولم يزدهم العذاب إلاّ إصراراً على الاِيمان ثباتاً على طريق الهدى ، وكان شعارهم (أحد أحد) ، وحينما اشتد الاَذى والعذاب أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة إلى الحبشة ، فهاجروا فراراً بدينهم .
واشتدّ الاَذى والعذاب على من بقي من الصحابة في مكة إلى أن شاء الله عزَّ وجلَّ أن يأذن لهم بالنصر المؤزر بعد حصارهم في شعب أبي طالب رضي الله عنه ثلاث سنوات ، ثم امتدت الدعوة الاِسلامية ـ بعد ذلك ـ وانضوى تحت لوائها عدد من أهل المدينة ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة على السمع والطاعة وعلى أن يؤمّنوا له الحماية اللازمة كما يحامون عن أبنائهم ونسائهم ، وعلى حرب من يحاربه مهما كان انتماؤه (2).
وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إيواء المهاجرين ونصرتهم ، فأذن صلى الله عليه وآله وسلم بهجرة من بقي معه في مكة إلى المدينة ، وعلى أثر ذلك تعرض الكثير منهم إلى عنت المشركين واضطهادهم (3)، وما أن وصلوا إلى يثرب حتى آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والاَنصار ، فجعل لكلِّ مهاجر أخاً من
____________
1) السيرة النبوية ، لابن هشام 1 : 343 . والسيرة النبوية ، لابن كثير 1 : 495 .
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 2 : 84 ـ 88 . والسيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 195 . وإعلام الورى بأعلام الهدى : 70 .
3) السيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 215 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 77 )
الاَنصار ، فآواه وآزره وشاركه في داره(1)، وقد تحقق الاِخاء بأفضل صورةٍ في تاريخ البشرية ، واستجاب له المهاجرون والاَنصار عن قناعة وتسليم واطمئنان ، حتى وصل الاَخاء إلى قمته ، فكان الاَنصاري يطلّق إحدى زوجتيه (فيخيّر أخاه المهاجر في إحداهما) (2).
وكان المهاجرون والاَنصار (يتوارثون بهذا الاِخاء في ابتداء الاِسلام إرثاً مقدّماً على القرابة) (3).
وقد حقق ذلك الاِخاء دوراً في إنجاح المسيرة الاِسلامية والتفرّغ إلى العمل الجاد لدعوة الناس إلى الاِسلام ، والجهاد في سبيل الله ، فتكاتفوا في حمل أعباء الرسالة ، وتبليغها .
ولم يمض على استقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين إلاّ أشهر معدودة حتى دعاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد ، فكانت فرصةً جيدة لمعرفة الذين آمنوا حقاً من الذين في قلوبهم مرض ومن المنافقين الذين تظاهروا بالاِسلام خوفاً ، فاستجاب الذين آمنوا وترسّخ الاِيمان في قلوبهم فخرجوا في غزوات لملاحقة قوافل المشركين ، وكانوا لايستريحون من أعباء الغزوة حتى يشاركوا في غزوة أُخرى قاطعين المسافات الطويلة استجابة لله ورسوله .
فقاوموا واجتازوا كل الصعوبات والاَخطار والمشاكل والمعوقات الواقعة في طريقهم ، واستمروا في المسيرة التكاملية متعالين على هوى
____________
1) السيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 204 .
2) تاريخ المدينة المنورة 1 : 488 .
3) الفصول في سيرة الرسول ، لابن كثير : 120 .
يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://maktabtthkaraliraq.gid3an.com
مدير المكتبة
Admin
avatar

المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 52

مُساهمةموضوع: رد: الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ   الثلاثاء مايو 01, 2012 2:43 pm

( 78 )
النفس وميولها واتجاهاتها المادية . وقطعوا أواصر القربى مع المشركين ، فخرجوا إلى بدر يقاتلون آباءهم وأبناءهم ولا يزيدهم ذلك إلاّ ثباتاً على الاِيمان والجهاد ، حتى أمدّهم الله تعالى بملائكة مسوّمين (1).
وهكذا استمر الصحابة في الجهاد وأرخصوا دماءهم في سبيل الدعوة والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يكلّون ولا يملّون ، وكانوا في عمل دؤوب وجهاد مستمر لا يجدون طعم الراحة والهناء إلاّ بإنجاز التكاليف الاِلهية ، فشاركوا في غزوة أُحد ، فكانت هذه الواقعة إحدى المواقع الحساسة التي عرف فيها المؤمنون الحقيقيون من غيرهم .
وكذلك غزوة الخندق حيث قعد الذين لاذوا بالفرار في أُحد ، عن المواجهة مع قائد جيوش المشركين .
ولقد تكرّر منهم المخالفة لاَوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أخذ منهم البيعة تحت الشجرة على الموت وعدم الفرار (2).
وهكذا بدأت المفارقات تظهر شيئاً فشيئاً ، وحقائق الاَشخاص تنكشف يوماً فيوماً :
الفواصل السلوكية الكاشفة عن الحقائق الباطنية :
لم يكن الصحابة على مستوىً واحد من الاِيمان والاخلاص والاستقامة ، وإنّما هم متفاوتون في كلِّ ذلك ، والصحبة وإن كانت شرفاً لهم جميعاً إلاّ أنها لا تعني التزكية والتطهير مالم يكن الصحابي مؤهلاً لها
____________
1) السيرة النبوية ، لابن هشام 2 : 285 .
2) السيرة النبوية لابن كثير 3 : 328 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 79 )
ومستعداً للارتقاء والسمو والتكامل ، والصحابي بما هو بشر يحمل في جوانحه عناصر الخير والشر ، وإنّ التزكية والتطهير تابعة للاِرادة ، فالاِنسان بطبعه مخيرٌ في اختيار موقفه في الحياة ، وتلعب الوراثة ـ متفاعلة مع المحيط التربوي والاجتماعي ـ دوراً أساسياً في تكوين الشخصية الاِنسانية من حيثُ درجة الاقتراب والابتعاد عن المنهج الاِسلامي في الواقع .
وإذا كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأثير في التوجيه والتربية والاصلاح والتغيير ، فإنّ كثيراً من الصحابة لم يصحبوه إلاّ قليلاً بعد ما مرت عليهم السنين العديدة وهم في الصف المعادي له ، وكان بعضهم أحرص الناس على قتله ، والقضاء على رسالته ، وبعضهم أسلم خوفاً أو طمعاً ، وبعضهم بقي منافقاً مستتراً في نفاقه لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، أو معلوماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خافياً على غيره .
فلا غرابة أن نجد بعضهم مبتعداً عن المنهج الاِسلامي في تصوراته ومواقفه العملية لعدم انصهاره بالعقيدة والقيم الجديدة ، وعدم تحكيمه لها في التصورات والعواطف والمواقف ، وخصوصاً في العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الصحابة ، فإنّ بعضهم قطع أواصر المودة والاَخاء مع البعض الآخر ، وتعامل البعض بالتنابز بالكفر والفسق والنفاق مع البعض الآخر ، ووصلت الفواصل بينهما إلى حدِّ البراءة والاقتتال .
وقد ظهرت بوادر ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنها كانت في طور الخفاء والمحدودية ثم توسعت وطفحت بارزة للعيان بعد عهده صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا غرابة في ذلك وقد حذّرهم صلى الله عليه وآله وسلم من التنافس على الدنيا والاقتتال فيما بينهم .

--------------------------------------------------------------------------------

( 80 )
ولكنّ المهم أنْ ترى أن الذين فروا في أُحد ، وقعدوا في الخندق ، وخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غير موضع ، أخذوا يجاهرون بالمخالفة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قراراته المصيرية الحاسمة :
التخلف عن جيش أُسامة والاعتراض على إمرته :
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أغلب المهاجرين والاَنصار بالتوجه إلى غزو الروم تحت إمرة أُسامة بن زيد ، وكان على رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وآخرون (1) ، فطعنوا في إمارته وتثاقلوا حتى قام بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً وقال : « إن تطعنوا في إمارته ، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله لقد كان خليقاً للاِمارة » (2).
وتثاقل كثير من الصحابة ولم يلتحقوا باُسامة ، وعصوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أغضبوه فأمرهم ثانية وثالثة حتى لعن المتخلفين وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « جهزوا جيش أُسامة ، لعن الله من تخلّف عنه » (3).
وفي رواية أنّه قال : « جهزوا جيش أُسامة ، أنفذوا جيش أُسامة ، أرسلوا بعث أُسامة ، لعن الله من تخلّف عنه » (4).
وعند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد أُسامة ومعه الجيش ينتظرون مصيره صلى الله عليه وآله وسلم وحينما علم بهم أمر أُسامة بالخروج وتعجيل النفوذ وجعل
____________
1) الكامل في التأريخ 2 : 317 .
2) صحيح البخاري 5 : 179 . وآفة أصحاب الحديث : 12 . والكامل في التأريخ 2 : 317 . وبنحوه في الطبقات الكبرى ، لابن سعد 2 : 190 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 112 .
3) الملل والنحل ، للشهرستاني 1 : 29 . وشرح نهج البلاغة 6 : 52 .
4) آفة أصحاب الحديث : 12 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 81 )
يقول : « أنفذوا بعث أُسامة » ويكرّر ذلك (1).
ولقد كان اعتراضهم على إمرته ثم اعتذارهم عن الخروج معه بمرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم محاولةً منهم للتغطية على المرض الكامن في قلوبهم !!
إتهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر :
عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب للصحابة كتاباً يرسم لهم منهجاً لحياتهم كي لا يضلّوا من بعده ، حيثُ ربط صلى الله عليه وآله وسلم بين الكتاب وبين عدم الضلالة ، وهذا يعني إنّ كتابة الكتاب من أهم وصاياه صلى الله عليه وآله وسلم ومن أساسيات القضايا التي يجب مراعاتها بعد وفاته ، وبدلاً من الاستجابة له ، والعمل على طبق وصيته للوصول إلى تمام الهداية والرشاد ، والحيلولة دون الضلال عصوا أوامره صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكتفوا بالعصيان بل اتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر كما تنص الرواية أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ائتوني بكتابٍ أكتب كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً » ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : (هجر رسول الله) ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» (2).
وفي رواية : قالوا : ما شأنه ؟ أهجر ! إستفهموه ، فذهبوا (يعيدون عليه) القول (3) .
وذكر المؤرخون في روايات أُخرى اسم عمر بن الخطاب ، وأنّه هو
____________
1) شرح نهج البلاغة 1 : 160 .
2) صحيح البخاري 4 : 85 . وصحيح مسلم 3 : 1258 . وتاريخ الطبري 3 : 193 . والكامل في التاريخ 2 : 320 . وتاريخ ابن الوردي 1 : 129 .
3) تاريخ الطبري 3 : 193 . وتاريخ ابن الوردي 1 : 129 . والكامل في التاريخ 3 : 320 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 82 )
الرادّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).
ويرى ابن أبي الحديد أنّ الحديث المذكور : (اتفق المحدِّثون كافة على روايته) (2).
ويفهم من الروايات أنَّ الذين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر وجهاً لوجه أو الذين أيدوا قول عمر بن الخطّاب هم من كبار الصحابة ومن الذين صاحبوه فترة طويلة ، ومنهم آباء زوجاته والمقربون إليه ، وهذا القول ينسجم مع الاَعراف من أنّ الذين يحضرون الميت هم من هذا الصنف دون بقية الصحابة الذين لم يصحبوه إلاّ أياماً أو ساعات معدودة ، إضافة إلى ذلك أنّ موته صلى الله عليه وآله وسلم كان في المدينة ويستبعد أن يكون الاَعراب أو الذين ارتدوا بعد وفاته كانوا من ضمن الحاضرين .
ويفهم أيضاً من الرواية أنَّ جلّ الصحابة كانوا متخلفين عن بعث أُسامة وخصوصاً الصحابي عمر بن الخطّاب .
ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتهامه بالهجر لم يكن في قضية هامشية أو سطحية ، وإنّما كان في أهم القضايا التي فيها النجاة من الضلالة الاَبدية.
وهكذا ، فقد تمكنّا من خلال هذه القضايا من معرفة حقيقة أمر أولئك الصحابة الذين رافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدء دعوته وفي قلوبهم مرض كما في القرآن الكريم .
فدراسة التاريخ والنظر في سير الاَحداث من أحسن الطرق لمعرفة
____________
1) صحيح البخاري 1 : 39 . وصحيح مسلم 3 : 1259 . والملل والنحل 1 : 29 .
2) شرح نهج البلاغة 6 : 51 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 83 )
حال الصحابة ، وللتوصل إلى معنى الآيات القرآنية ومعنى الحديث المخرج في كتابي البخاري ومسلم وغيرهما الصريح في ارتداد الاصحاب إلاّ مثل «همل النعم» !!
هذا خلاصة ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

معرفة الصحابة من خلال الحوادث بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :
وأما ما كان من الصحابة بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلك أحداث السقيفة وما تلتها من حوادث وما ترتب عليها من آثار...
لقد ثبت وتحقق في الكتب المؤلّفة في مسألة الاِمامة والولاية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنّ الله سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغ الاُمّة بأنّ الخليفة والامام من بعده بلا فصل هو علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذا ما كان من أولى اهتمامات النبي منذ بعثته وحتى الساعات الاَخيرة من حياته الكريمة ، وقد استدل العلماء في كتب الاِمامة بالكثير من الآيات والاَحاديث الصحيحة بل المتواترة عند الفريقين .
فمن ذلك : النصّ الذي بدأ منذ وقت مبكر وبالتحديد في السنة الثالثة للهجرة حيثُ نزول آية الانذار وقصة حديث الدار الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم مشيراً إلى الاِمام علي عليه السلام : « إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (1) .
وصرّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من مناسبة قائلاً : « إنّ علياً مني ، وأنا منه ،
____________
1) تاريخ الطبري 3 : 218 ـ 219 . وتفسير الخازن 3 : 371 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 84 )
وهو ولي كلّ مؤمن بعدي » (1). وجاء قوله تعالى : ( إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (2) ليؤكد ويرسخ ولاية وخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقطع الطريق أمام المشككين بهذه المنزلة الرفيعة .
وعند قصة الغدير ونزول آية التبليغ (3) وآية إكمال الدين (4) في حجة الوداع لم يعد ثمة عذر لمعتذر في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيثُ جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس في منتصف النهار والحر شديد وخطب خطبة طويلة جاء فيها : « من كنت مولاه فهذا مولاه (5)، اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، واخذل من خذله، وانصر من نصره » (6).
لكن القوم تجاوزوا كلّ تلكم النصوص ، حتى تركوا جنازة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الاَرض وراحوا الى سقيفة بني ساعدة يتنازعون الاَمر من
____________
1) سنن الترمذي 5 : 594 . والتاج الجامع للاُصول 3 : 335 .
2) سورة المائدة 5 : 55 وقد نزلت هذه الآية في الاِمام علي عليه السلام . راجع الكشاف 1 : 649 . وأسباب النزول ، للواحدي : 134 .
3) الآية 67 من سورة المائدة ، قال الواحدي في أسباب النزول : 135 نزلت في غدير خم .
4) الآية 3 من سورة المائدة ، وقد نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، راجع الاتقان للسيوطي 1 : 75 . وأسباب النزول للواحدي : 135 وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم عند نزولها : «الحمدُ لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي»س راجع مناقب أمير المؤمنين عليه السلام للحافظ محمد بن سليمان القاضي الكوفي 1 : 119 .
5) سنن الترمذي 5 : 591 . والتاج الجامع للاُصول 3 : 333 .
6) مسند أحمد 4 : 281 و 368 . وسنن ابن ماجة المقدمة 1 : باب 11 . وتفسير ابن كثير 1 : 233 . والبداية والنهاية 7 : 360 ـ 361 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 85 )
بعده ، فكان ما كان مما لسنا الآن بصدد ذكره ، وتمخضّت الاحداث عن البيعة لاَبي بكر بن أبي قحافة ، ثم أُكره الممتنعون عن البيعة ـ وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وأعلام بني هاشم ورجال من المهاجرين والاَنصار ـ على أن يبايعوه ، في قضايا يطول شرحها .
أمّا الزهراء الطاهرة بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلم تبايعه أبداً ، ولمّا استولى أبو بكر على فدك وغير فدك ممّا كان يتعلّق بها ، ذهبت إلى أبي بكر وطالبته بحقوقها ، فلم يعطها شيئاً ، فعادت وهي غضبى عليه وعلى عمر ابن الخطاب .
وقال عمر لاَبي بكر انطلق بنا إلى فاطمة عليها السلام (فانّا قد أغضبناها) وحينما دخلا عليها قالت : « ... ألم تسمعا رسول الله يقول : «رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي.. فإنّي أُشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ لاَشكونكما إليه » وكانت فاطمة عليها السلام تقول : « والله لاَدعون الله عليك في كلِّ صلاة أصليها » (1).
وبقيت سلام الله عليها مهاجرة لاَبي بكر حتى فارقت الدنيا (فهجرته فاطمة فلم تكلمه... حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبابكر)(2) .
ولقد كان من المتخلّفين عن بيعة أبي بكر : مالك بن نويرة وعشيرته ، فسيّر أبو بكر إليهم خالد بن الوليد ، فأغار عليهم وقتل مالكاً وجماعة من
____________
1) الاِمامة والسياسة 1 : 14 .
2) تاريخ الطبري 3 : 208 . وتاريخ الاِسلام عهد الخلفاء الراشدين ، للذهبي : 21 . وبنحوه في : شرح نهج البلاغة 6 : 50 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 86 )
قومه وسبى نساءهم ، وتزوّج بامرأة مالك من ليلة قتله ، في قضية معروفة مفصّلة في كتب التاريخ ، تعدّ من أكبر ما طعن به أبو بكر بعد تصدّيه للاَمر .
وحينما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وتزوج امرأته ، بلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فتكلم في خالد عند أبي بكر فأكثر وقال : (عدو الله عدا على أمرىء مسلم فقتله ، ثم نزا على امرأته) ! وحينما عاد خالد قام إليه عمر وقال : (قتلت أمرءاً مسلماً ، ثم نزوت على امرأته ، والله لاَرجمنك بأحجارك) (1).
وفي معركة اليرموك كان أبو سفيان ومشيخة من قريش على تلٍّ لايقاتلون ، فإذا كانت الكرّة للروم ، قالوا : (إيهٍ بني الاَصفر) ! وإذا كانت الكرّة للمسلمين ، قالوا : (ويح بني الاَصفر) ! فلما هزم الله تعالى الروم سمع الزبير بما كانوا يقولون ، فقال : (أبوا إلاّ ضغناً ، لنحن خير لهم من الروم) (2).
وعند قرب وفاة أبي بكر دخل عليه عبدالرحمن بن عوف ، فقال له أبوبكر : (إنّي وليت أمركم خيرّكم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الاَمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت.. وأنتم أول ضالّ بالناس غداً ، فتصدوهم عن الطريق يميناً وشمالاً...) (3).
وقال أبو بكر أيضاً : (فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنَّ ، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب..
____________
1) تاريخ الطبري 3 : 280 . والكامل في التاريخ 2 : 359 .
2) الكامل في التاريخ 2 : 414 .
3) تاريخ الطبري 3 : 430 . وبنحوها في تاريخ اليعقوبي 2 : 137 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 87 )
وأمّا اللاتي تركتهنَّ ، فوددت أني يوم أتيتُ بالاَشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيَّل إليَّ أنه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه...) (1).
وأوصى أبو بكر بالاَمر إلى عمر بن الخطّاب بالرغم من اعتراض أعلام الصحابة ، محتجاً بكونه خير النّاس ، فدلَّ ذلك على أن ولايته لم تكن بنصٍّ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا برضاً من المسلمين .
وقد كان في عهده من تعطيل الحدود الشرعية وتغيير الاَحكام الالهية ماليس هنا موضع ذكره ، ومن شاء فليراجع الكتب المؤلفة في ذلك ، ويكفينا أن نعلم أن عمر هو الذي رمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر وحال دون كتابته الوصيّة كما تقدّم .
وكان عمر هو الذي طرح فكرة تعيين الخليفة بالشورى ، وقد جاء ذلك تفادياً لاَنْ يبايع المسلمون الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذ بلغه أن جماعةً من أكابر الصحابة يقولون: لو مات عمر لبايعنا علي بن أبي طالب(2) .
ولكنّه ـ حيث كان يريد عثمان بن عفان وبني أُميّة للخلافة ـ عيّن ستّة أشخاصٍ للشورى ، ومن غير مشورة من المسلمين في تعيينهم ، وحدّد لهم حدوداً لا ينتهي الاَمر بمقتضاها إلاّ إلى عثمان .
وبعد تعيين عمر للستة من أهل الشورى أخبرهم عن أنفسهم فقال : (أما أنت يا زبير فوعق لقس (3)، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوماً إنسان ،
____________
1) تاريخ الطبري 3 : 430 ـ 431 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 137 . والعقد الفريد 5 : 21 .
2) مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري | ابن حجر العسقلاني ، ارشاد الساري في شرح البخاري | للقسطلاني .
3) الوعق : الضجر المتبرم ، واللقس : من لا يستقيم على وجه .

--------------------------------------------------------------------------------

( 88 )
ويوماً شيطان.. من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟ ومن يكون يوم تغضب ؟) ثم أقبل على طلحة ـ وكان له مبغضاً ـ فقال له : أقول أم أسكت؟ قال : (قل ، فإنَّك لا تقول من الخير شيئاً) فقال عمر : (أما إنَّي أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أحد والبأو ـ أي الكبر ـ الذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أُنزلت آية الحجاب)(1) .
وأوصى عمر صهيب الرومي بقتل كل من يصرّ على مخالفة الاجماع في الشورى المتكونة من الستة ، وقال له : (.. فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه ـ أو اضرب رأسه بالسيف ـ وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان ، فاضرب رؤوسهما ، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم.. فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس) (2).
وفي اجتماع الشورى قال عليّ بن أبي طالب لعبدالرحمن بن عوف : (أعطني موثقاً لتؤثرن الحقّ ولا تتبع الهوى ، ولا تخصّ ذا رحم..) ، لكن عبدالرحمن اتّبع الهوى ومال إلى عثمان ، ففي أمر الشورى يقول الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية : « فصبرتُ على طول المدة ، وشدّة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعةٍ زعم أني أحدهم ، فيالله وللشورى متى اعترض الريبُ فيَّ مع الاَول منهم ، حتى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر ! لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا ، وطِرتُ إذ طاروا ، فصغا رجلٌ منهم
____________
1) شرح نهج البلاغة 1 : 185 ـ 186 .
2) تاريخ الطبري 4 : 229 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 89 )
لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ... » (1). فالذي صغا لضغنه هو طلحة ، إذ وهب حقّه لعثمان لانحرافه عن أمير المؤمنين عليه السلام ، والذي مال لصهره هو عبدالرحمن ، مال إلى عثمان ، لاَن زوجة عبدالرحمن ـ وهي أم كلثوم بنت عقبة ـ كانت أُخت عثمان من أُمّه .
واشترط عبد الرحمن على الاِمام عليّ عليه السلام إن رشّحه للخلافة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر ، فلم يوافق الاِمام عليّ عليه السلام على الشرط الاَخير ، ووافق عثمان على ذلك فرشحه عبدالرحمن للخلافة فقال الاِمام علي عليه السلام : « ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا » (2).
وبعد تمام البيعة قال المغيرة بن شعبة لعبدالرحمن : (يا أبا محمد ، قد أصبت إذ بايعت عثمان !) وقال لعثمان : ( لو بايع عبدالرحمن غيرك مارضينا) ، فقال عبدالرحمن : (كذبت يا أعور ، لو بايعتُ غيره لبايعته ، ولقلت هذه المقالة) (3).
ودخل أبو سفيان على عثمان وقال : (يا بني أُمية ، تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنة ولا نار ، ولا بعث ولا قيامة) (4).
وحينما بدلّ كثيراً من الاَحكام ، وتصرّف في أموال المسلمين في غير حلّها ، وقرّب إليه الفجرة الفسقة وخاصةً من بني أُمية وجعلهم خواصاً
____________
1) نهج البلاغة : الخطبة 3 .
2) الكامل في التاريخ 3 : 71 . وشرح نهج البلاغة 9 : 53 .
3) تاريخ الطبري 4 : 234 . وبنحوه في : شرح نهج البلاغة 9 : 53 .
4) شرح نهج البلاغة 9 : 53 ـ 54 . وأنساب الاَشراف 1 : 12 ـ 13 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 90 )
وولاة له ، كمروان بن الحكم والوليد بن عقبة ، كثر الطعن عليه من قبل الصحابة والتابعين (1).
وكان الوليد بن عقبة من ولاة عثمان وقد اشتهر بالفسق وشربه للخمر فقد شرب الخمر وهو على رأس جيش متوجه إلى الروم ، فأراد بعض المسلمين إقامة الحدّ عليه ، فقال حذيفة : (أتحدّون أميركم وقد دنوتم من عدوّكم...) (2) .
وقال ابن حجر العسقلاني عنه (وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة ومخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين) (3).
فحينما أكثر المسلمون في الوليد عزله عثمان وجلده الحدّ (4).
وطعن جماعة من الصحابة على عثمان ، لاَنّه آثر أقاربه الاَموال والهدايا، فكان أبو ذر الغفاري يقول : (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سُنّة نبيّه ، والله إني لاَرى حقاً يُطفأ وباطلاً يحيا ، وصادقاً مكذّباً ، وأثرة بغير تقى ، وصالحاً مستأثراً عليه) (5).
وقال عثمان ذات مرّة لاَبي ذر : (لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب... أنت
____________
1) الطبقات الكبرى 5 : 36 .
2) مختصر تاريخ دمشق 26 : 341 .
3) الاِصابة 6 : 322 .
4) تاريخ الطبري 4 : 277 . ومختصر تاريخ دمشق 26 : 336 . وبنحوه في : شرح نهج البلاغة 8 : 120 .
5) شرح نهج البلاغة 3 : 55 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 91 )
الذي تزعم أنّا نقول : إنّ يد الله مغلولة...) فقال أبو ذر : (لو كنتم لا تزعمون لاَنفقتم مال الله على عباده ، ولكني أشهدُ لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دخلاً » فقال عثمان : (ويلك يا أبا ذر ! أتكذب على رسول الله) .. فقال أبو ذر : (أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تتهمونني ! ما كنت أظنَّ أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).
هذا وقد قال الصادق الاَمين صلى الله عليه وآله وسلم في حقّ أبي ذر : « ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر » . والاَدهى من ذلك هو طرد أبي ذرّ من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يد طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن طريده مروان بن الحكم (2).
واشتد الطعن على عثمان ، ففي ذات مرّة صلّى عثمان بالناس ، فلما كبَّر قالت عائشة : (يا أيُّها الناس... تركتم أمر الله وخالفتم عهده) ، ثم صمتت وتكلمت حفصة بمثل ذلك ، فلما أتم عثمان الصلاة أقبل على الناس، وقال : (إنَّ هاتين لفتّانتان ، يحلّ لي سبُّهما ، وأنا بأصلهما عالم) (3).
وتجاوز الطعن إلى التصريح بكفر عثمان من قبل إحدى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي عائشة حيثُ كانت تفتي بقتله وتقول : (اقتلوا نعثلاً فقد كفر) (4) .

____________
1) شرح نهج البلاغة 3 : 55 ـ 56 .
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 171 ـ 173 . وتاريخ المدينة 3 : 1034 . والرياض النضرة 3 : 83 .
3) شرح نهج البلاغة 9 : 5 .
4) تاريخ الطبري 4 : 459 . والكامل في التاريخ 3 : 206 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 92 )
وكثر الطعن عليه (ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد) (1)، وكان طلحة بن عبيدالله من ضمن الطاعنين على عثمان حتى اجتمع عليه بعض الطاعنين، فأمسك بمفاتيح بيت المال والناس حوله ، فلما سمع الاِمام عليّ عليه السلام بالخبر قام بكسر باب بيت المال وتوزيع مافيه ، فتفرق الجمع عن طلحة وانصرفوا عنه ، وسمع عثمان بذلك فأبدى رضاه وسروره ، وجاء طلحة ودخل على عثمان ، فقال عثمان : (والله ما جئت تائباً ، ولكن جئتَ مغلوباً ، الله حسيبك يا طلحة) (2).
وكتب جمع من أهل المدينة من (الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم : إن أردتم الجهاد فهلمّوا إليه ، فإنّ دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد أفسده خليفتكم فأقيموه) (3).
وحينما اشتدت الاَزمة بين عثمان والطاعنين عليه دخل عليه الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال له : « أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل الظعينة يقاد حيثُ يُسار به ، والله مامروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ! وأيم الله إنّي لاَراه يوردك ولايصدرك...» (4).
وتدخّل الاِمام عليّ عليه السلام لتهدئة الاَزمة وقال لطلحة : « أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان ! » ، فرفض طلحة نصيحة الاِمام عليّ عليه السلام وقال :
____________
1) تاريخ الطبري 4 : 336 .
2) الكامل في التاريخ 3 : 167 .
3) الكامل في التاريخ 3 : 168 .
4) تاريخ الطبري 4 : 362 . والكامل في التاريخ 3 : 165 ـ 166 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 93 )
(لا والله حتى تعطيني بنو أُمية الحقّ من أنفسها) (1).
وكلّم الاِمام عليّ عليه السلام القادمين من الاَمصار ووعدهم بإصلاح الاَوضاع من قبل عثمان ، فخرجوا من المدينة ، وفي طريقهم إلى مصر أمسكوا بغلام عثمان وعنده كتاب مختوم بختم عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم ، فجاءوا بالكتاب إلى عثمان فأنكر كتابته له ، وقيل : إنَّ مروان قد كتبه باسم عثمان ، فقالوا له : (ما أنت إلاّ صادق أو كاذب ، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق ، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الاَمر وغفلتك وخبث بطانتك.. فاخلع نفسك منه كما خلعك الله) فقال : (لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله ، ولكني أتوب وأنزع) ، فقالوا : (لو كان هذا أوّل ذنب تبت منه قبلنا ، ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود ، ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى) (2).
فحوصر عثمان من قبل المسلمين أربعين يوماً ثم قتلوه ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم من حرَّض على المعارضة له ، وعلى رأسهم عائشة وحفصة وعمّار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وطلحة والزبير وعمرو بن العاص . ومنهم من حاصره ولم يقدم على قتله . ومنهم من اشترك في قتله أيضاً كعبدالرحمن بن عديس ، وكان أمير القادمين لقتله ، وهو ممّن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة (3). ومنهم من كان هواه في
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 183 .
2) المصدر السابق 3 : 196 .
3) الكامل في التأريخ 3 : 287 . وتاريخ المدينة المنورة 4 : 1155 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 94 )
قتل عثمان ، كمعاوية بن أبي سفيان (1) ليتخذ قتله ذريعة للوصول إلى
الخلافة ، حيثُ تربّص به وأقرّ الجيش الذي بعثه لنصرته (2).
وكان ابن عباس يرى أن مروان هو المسؤول عن قتل عثمان ، فكان يخاطبه بالقول : ( ياعدوّ الله وطريد رسول الله والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه ..) .(3)
هذا ، وقد اتُخذ دمه ذريعة للتمرد على خلافة الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام سواء من قبل المحرضين على عثمان أو من المتربصين بقتله ، في ظرف مضطرب لااستقرار فيه ، وبدلاً من انتظار استقامة الظروف وهدوء الاَوضاع الصاخبة ، خرج بعض الصحابة ، وأحدثوا فتنة بين المسلمين متمردين فيها على الخلافة الشرعية (4).
حرب الجمل :
فخرجت عائشة ـ ومعها طلحة والزبير ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة وسائر بني أُمية ـ الى البصرة وأعلنوا الطلب بدم عثمان .
وفي أول المسير لقي عبد بن أم كلاب عائشة فأخبرته بالطلب بدم عثمان فأجابها : (فو الله أول من أمال حرفه لاَنت ! ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر) ، فقالت : (إنّهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ،
____________
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1153 .
2) الكامل في التاريخ 3 : 170 .
3) شرح نهج البلاغة 6 :299.
4) تاريخ الطبري 4 : 436 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 95 )
وقولي الاَخير خير من قولي الاَول) (1).
وفي البصرة تصالح طلحة والزبير مع عثمان بن حنيف على عدم الاقتتال ، إلاّ أنهم هجموا عليه ليلاً واقتادوه أسيراً ، وحينما سألوا عائشة عن أمره قالت : (اقتلوه) فقالت لها أمرأة : (نشدتك بالله يا أم المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) فأمرت بحبسه بعد أن ضربوه أربعين سوطاً ونتفوا شعر لحيته (2).
وقبل بدء القتال قال الزبير : (ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ أقتله ، فلم يجبه أحد) ، فقال : (إنّ هذه للفتنة التي كنّا نُحدَّث عنها) فقال له مولاه: (أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟!) قال : (ويلك ! إنّا نُبصَّر ولا نُبْصِر ، ماكان أمر قط إلاّ وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الاَمر ، فإنّي لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر) (3).
وكتب الاِمام عليّ عليه السلام إلى طلحة والزبير : « ... فإن كنتما بايعتماني طائعين ، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب... فارجعا أيُّها الشيخان عن رأيكما ، فإنَّ الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يتجمع العار والنار » (4).
وفي بداية المعركة قال الاِمام علي عليه السلام للزبير : « أنشدك الله ، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّك تقاتلني وأنت ظالم لي » ، قال : (نعم ، ولم أذكر إلاّ في موقفي هذا) ثم اعتزل القتال ، ولكنه رجع إليه بعدما هاجه ابنه
____________
1) تاريخ الطبري 4 : 459 . والكامل في التاريخ 3 : 206 .
2) تاريخ الطبري 4 : 269 . والكامل في التاريخ 3 : 216 .
3) تاريخ الطبري 4 : 476 . والكامل في التاريخ 3 : 220 .
4) نهج البلاغة : 445 ـ 446 الكتاب 54 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 96 )
عبدالله ، فأعتق مولاه كفارة عن يمينه ، ثم قاتل (1).
وكان الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول : « ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبدالله » (2).
وفي أثناء المعركة قام مروان بن الحكم بقتل طلحة بن عبيدالله مبرراً قتله بالثأر من قتلة عثمان (3) على الرغم من خروجهما معاً للطلب بدم عثمان بقتالهم للاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
وانتهت المعركة بمقتل عشرة آلاف من الطرفين (4)وقد تنبأ الاِمام عليّ عليه السلام بمصير أهل الجمل ، فقال قبل بدء القتال : « والله إنّ راكبة الجمل لا تصعد عقبة ولا تنزل منزلاً إلاّ إلى معصية الله وسخطه ، حتى تورد نفسها ومن معها متالف الهلكة » (5).
وكان عدد المشاركين من الصحابة إلى جنب الاِمام عليّ عليه السلام هو العدد الراجح حيثُ كان معه ثمانمائة من الاَنصار وأربعمائة ممّن شهد بيعة الرضوان (6)اِيمانهم بوجوب القتال معه .

____________
1) تاريخ الطبري 5 : 200 . والكامل في التاريخ 3 : 239 . وتهذيب تاريخ دمشق 5 : 367 ـ 368 .
2) شرح نهج البلاغة 20 : 102 .
3) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1170 . وتاريخ الاِسلام عهد الخلفاء الراشدين ، للذهبي : 486 . وشرح نهج البلاغة 9 : 36 .
4) تاريخ الطبري 4 : 539 . وقيل : عشرون ألفاً . والعقد الفريد 5 : 74 .
5) المعيار والموازنة : 53 .
6) تاريخ الاِسلام عهد الخلفاء الراشدين : 484 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 97 )
حرب صفين :
عزل الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام أغلب ولاة عثمان بن عفان ، وحينما أشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية قال عليه السلام : « لا أُداهن في ديني ، ولا أعطي الدنيَّة في أمري » (1)، فكان يرى إبقاء معاوية في ولايته مداهنة في الدين ، ولذا عزله بعد أن يئس من رجوعه إلى الطاعة .
وقد كتب إليه عدة كتب يدعوه فيها إلى الطاعة ، ويبيّن له غيّه ومساوءه، جاء في أحدها قوله عليه السلام : « وأرديت جيلاً من النّاس كثيراً ، خدعتهم بغيِّك ، وألقيتهم في موج بحرك ، تغشاهم الظلمات ، وتتلاطم بهم الشبهات ، فجاوزوا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم.. فاتق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان قيادك.. » (2).
وكتب عليه السلام إليه أيضاً : « فسبحان الله ! ما أشدَّ لزومك للاَهواء المبتدعة... فإمّا إكثارك الحِجاجَ على عثمان وقتلته ، فإنّك إنّما نصرت عثمان حيثُ كان النصر لك ، وخذلته حيثُ كان النّصر له » (3)، فقد بيّن له أنّه اتخذ دم عثمان وسيلة لينتصر بها ، حيثُ إنّه لم ينصره في حياته .
وحينما أراد معاوية استمالة عمرو بن العاص إلى جانبه استشار الاَخير ابنيه عبدالله ومحمداً ، فقال له عبدالله : (.. فإنّك إنّما تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية فتضجعان غداً في النار) ، وقال ابنه محمد : (بادر هذا الاَمر) وقال له مولاه وردان : (اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه آخرة بلا دنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة ، وليس في
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 197 .
2) نهج البلاغة : 406 الكتاب 31 .
3) نهج البلاغة : 410 الكتاب 37 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 98 )
الدنيا عوض من الآخرة) .
وقال ابنه عبدالله أيضاً : (بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه) (1).
وكتب الاِمام علي عليه السلام إلى ابن العاص كتاباً جاء فيه : « فإنّك قد جعلتَ دينك تبعاً لدنيا امرىء ظاهر غيُّه ، مهتوكٍ ستره... فأذهبت دنياك وآخرتك...» (2).
وبعد خدعة رفع المصاحف خطب الاِمام علي عليه السلام أصحابه قائلاً : «عباد الله ، امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوّكم ، فإنّ معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحّاك ليسوا بأصحاب دين ولاقرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً ثم رجالاً ، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال ، ويحكم والله ما رفعوها إلاّ خديعة ووهناً ومكيدةً... فإنّي إنّما أقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب ، فإنّهم قد عصوا الله فيما أمرهم ، ونسوا عهده ، ونبذوا كتابه » (3).
وكتب الاِمام عليّ عليه السلام إلى معاوية : « ... فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه ، وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله ، ولسنا إياك أجبنا ، ولكنّا أجبنا القرآن في حكمه » (4)».
وانتهت المعركة بالتحكيم ، وقد كان الاِمام عليّ عليه السلام يحذّر معاوية من
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 184 ـ 185 .
2) نهج البلاغة : 411 الكتاب 39 .
3) الكامل في التاريخ 3 : 316 ـ 317 . وبنحوه في المنتظم 5 : 121 .
4) نهج البلاغة : 423 الكتاب 48 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 99 )
القتال وسفك الدماء فلم يستجب وكان جوابه لسفراء الاِمام عليّ عليه السلام : (...ليس بيني وبينكم إلاّ السيف) (1).
وكان عدد القتلى من الطرفين سبعين ألفاً (2)وقتل مع الاِمام عليّ عليه السلام خمسة وعشرون صحابياً ، منهم عمّار بن ياسر قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة الرضوان (3).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمّار رضي الله عنه : « تقتلك الفئة الباغية » (4)والفئة الباغية التي قتلت عمّار كان يقودها معاوية وعمرو بن العاص .
ما بعد صفين :
انتهت معركة صفين بالتحكيم ، وانتهى التحكيم بخديعة عمرو بن العاص لاَبي موسى الاَشعري ، فقال الاَشعري لابن العاص : (غدرت وفجرت ، إنّما مثلك كمثل الكلب) فقال له ابن العاص : (إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً) (5).
وبما أنّ الحكم كان نابعاً من الهوى والابتعاد عن الهدى تبرَّء الاِمام عليّ منهما ونسب إليهما نبذ حكم القرآن ومخالفته فقال عليه السلام : « ألا إنَّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء
____________
1) مروج الذهب 2 : 377 .
2) مروج الذهب 2 : 352 . والمنتظم 5 : 120 .
3) الفصل في الاَهواء والملل والنحل 4 : 161 .
4) صحيح البخاري 1 : 194 . وصحيح مسلم 4 : 2235 | 70 و 72 و 73 . ومسند أحمد 2 : 16 و164 .
5) نهاية الارب 20 : 159 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 100 )
ظهورهما ، وأحيا ما أمات القرآن ، واتبع كل منهما هواه بغير هدى من الله ، فحكما بغير حجة بينة ولا سُنة ماضية ، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد ، فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين » (1).
وحول الحكمين قال عبدالله بن عمر : (انظروا إلى ما صار أمر هذه الاُمّة ، إلى رجل لا يبالي ما صنع ، وآخر ضعيفاً) (2).
ولم يكتف معاوية بالبغي على إمام زمانه وقتل في هذا البغي آلاف المسلمين وخيرة الصحابة ، بل استمر في بغيه بالاعتداء على الاَبرياء الذين يوالون الاِمام عليّ عليه السلام باعتباره الخليفة الشرعي ، وكان يبعث الغارات على المدن التابعة للدولة الاِسلامية التي يحكمها الاِمام علي عليه السلام فبعث بسر بن أرطأة ـ وهو من الصحابة ـ في ثلاثة آلاف إلى الحجاز وإلى المدينة فدخلها فخطب في الناس وهدّدهم وقال : (والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبدالله) فلما سمع الصحابي جابر ابن عبدالله انطلق إلى أُم المؤمنين أم سلمة وقال لها : (ماذا ترين ؟ انّي قد خشيت أن أُقتل ، وهذه بيعة ضلالة) ، وكان ذلك الجيش يقتل (من أبى أن يقرّ بالحكومة) (3).
ثم مضى بسر بن أرطأة إلى اليمن فقتل جماعة من أهلها ، ومنهم طفلان صغيران لعبيد الله بن العباس (4).

____________
1) تاريخ الطبري 5 : 77 . والكامل في التأريخ 3 : 338 .
2) نهاية الاَرب 20 : 159 .
3) تاريخ الطبري 5 : 139 .
4) تاريخ الطبري 5 : 140 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 101 )
وكثر الحديث حول دهاء معاوية فأجاب الاِمام عليّ عليه السلام قائلاً : « والله ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس... » (1)ّ .
الفواصل السلوكية في عهد معاوية بن أبي سفيان :
ثم إنّ الاِمام عليه السلام قد أوصى بالاِمامة من بعده ـ بأمرٍ من الله ورسوله ـ إلى ولده الاِمام الحسن بن علي عليهما السلام وقد بايعه أيضاً أهل الكوفة وبعض الاَمصار ، وعلى الرغم من شرعية خلافته إلاّ أنّ معاوية لم يستجب إلى بيعته وتمرّد على شرعيته وأعلن العصيان والبغي ، وحينما رأى الاِمام الحسن عليه السلام أنّه لا يستطيع إخماد التمرّد ، وأنّه لا يملك القوة اللازمة في الاستمرار في الخلافة صالح معاوية(2)واشترط الاِمام الحسن عليه السلام شروطاً على معاوية ولكنّه لم يفِ بها(3).
وكانت سياسة معاوية بعد استيلائه على السلطة المخالفة لسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اعترض الاِمام الحسن عليه السلام على معاوية في ذلك قائلاً : « إنَّ الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله... وليس الخلافة لمن عمل بالجور وعطّل الحدود » (4) .
وفي مجلس معاوية والحسن حاضر شتم جماعة ـ وهم من الصحابة!! ـ
____________
1) شرح نهج البلاغة 10 : 211 .
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 215 . والكامل في التأريخ 3 : 404 . وتاريخ الخميس 2 : 290 .
3) الكامل في التأريخ 3 : 405 .
4) ربيع الاَبرار 2 : 837 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 102 )
الاِمام عليّاً عليه السلام وذكروه بسوء ، فأجاب الاِمام الحسن عليه السلام معاوية بالقول : «أما بعد يا معاوية ، فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني ، فحشاً ألفته ، وسوء رأي عرضت به ، وخُلقاً سيئاً ثبتَّ عليه ، وبغياً علينا ، عداوة منك لمحمد وأهله... » (1).
وأغلظ القول لعمرو بن العاص وقال له : «... فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والاِسلام... وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعَّرت عليه الدّنيا ناراً... ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه... » .
وقال الاِمام الحسن عليه السلام للوليد بن عقبة : « ... فوالله ما ألومك على بغض عليٍّ ، وقد جلدك ثمانين في الخمر... وأنت الذي سمّاه الله الفاسق ، وسمّى عليّاً المؤمن » (2).
وقال عليه السلام للمغيرة بن شعبة : « ... وإنَّ حدَّ الله في الزنا لثابت عليك » (3).
وقال الاِمام الحسن عليه السلام لمروان : « لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيّه ، فقال : لعن الله الحكم وما ولد » (4).
أوامر معاوية في شتم الاِمام عليّ عليه السلام :
بعد استقرار الاَمر لمعاوية ، أمر ولاته بلعن وشتم الاِمام عليّ بن أبي
____________
1) شرح نهج البلاغة 6 : 288 .
2) شرح نهج البلاغة 6 : 292 .
3) شرح نهج البلاغة 6 : 294 . يشير الاِمام عليه السلام إلى قيام البيّنة على المغيرة بالزنا في زمن عمر ، لكنّ عمر عطّل الحد ولم يجره في حقّه ، انظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 146 ، الاغاني 16 : 99 ، شرح نهج البلاغة 12 : 245 .
4) البداية والنهاية 8 : 259 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 103 )
طالب عليه السلام من على منابر المسلمين .
وأوصى معاوية المغيرة بن شعبة (لا تترك شتم علي وذمّه) ، فقال له المغيرة : (قد جَرّبتُ وجُرّبتُ ، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم) ، فكان المغيرة (لا يدع شتم علي والوقوع فيه) (1).
وكان ينال في خطبته من عليّ ، وأقام خطباء ينالون منه (2).
وكان حجر بن عديّ يرد اللعن على المغيرة (3).
ونتيجة لاستمرار شتم الاِمام عليّ عليه السلام وسبّه ، كتبت أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة إلى معاوية : (إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهدُ أنَّ الله أحبّه ورسوله) (4).
وروي أنّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية : (... إنّك قد بلغت ما أمّلت ، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ، فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً) (5).
كما وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على ( رواية أخبار قبيحة في الاِمام عليّ عليه السلام ، تقتضي الطعن فية والبراءة منه ، وجعل لهم على ذللك جُعلاً... منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرء بن شعبة وغيرهم .

____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 472 .
2) سير أعلام النبلاء 3 : 31 .
3) تاريخ اليعقوبي 2 : 230 .
4) العقد الفريد 5 : 115 . وبنحوه في مسند أحمد 7 : 455 . والمعجم الكبير 23 : 323 .
5) شرح نهج البلاغة 4 : 57 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 104 )
وروي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب: ( مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في حق علي ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) (1) فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل ، وروى ذللك ) .
وقام معاوية بقتل أخيار الصحابة الموالين للاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومنهم حجر بن عدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2).
اعتراض الاِمام الحسين بن علي عليهما السلام على معاوية :
ارتكب معاوية أعمالاً مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووجد في ذلك اعتراضاً من قبل الصحابة ، ومن أعماله إدّعاؤه زياد بن سمية واستلحاقه بأبي سفيان خلافاً لسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3).
واعترض الاِمام الحسين بن علي عليهما السلام على مجمل أعماله ، فقد جاء في كتابه عليه السلام إلى معاوية بعد أن وصفه وأصحابه بالقاسطين الملحدين حزب الظالمين وأولياء الشياطين : « ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلّين العابدين ، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع... أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أبلته العبادة... أولست المدعي زياد بن سميّة.. ؟! فتركت سُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالفت أمره متعمدّاً، واتّبعت هواك مكذِّباً بغير هُدىً من الله.. فلا أعلم فتنة على الاُمّة
____________
1) سورة البقرة 2: 204 وما بعدها .
2) الكامل في التاريخ 3 : 473 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 231 .
3) سير أعلام النبلاء 3 : 495 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 105 )
أعظم من ولايتك عليها.. وأخذك بالبيعة لابنك غلامٍ سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ولا أعلمك إلاّ خسرت نفسك، وأوبقت دينك ، وأكلت أمانتك ، وغششت رعيّتك ، وتبوّأت مقعدك من النار ، فبعداً للقوم الظالمين» (1) .
ففي هذا الكتاب بيّن الاِمام الحسين عليه السلام لمعاوية خلافه لسُنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابتعاده عن هدى الله تعالى ، وجعله في صف الظالمين ، ليتبوأ مقعده من النار .
ما جرى بين الصحابة في بيعة يزيد :
شجّع المغيرة بن شعبة معاوية على تولية يزيد العهد من بعده حينما علم أنّ معاوية سيعزله عن إمرة الكوفة ، وحينما رجع من معاوية قال : (...فوالله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلاّ سفك الدماء) (2) .
وفي رواية أنّه قال : (لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أُمّة محمّد ، وفتقت عليهم فتقاً لا يُرتق أبداً) (3).
وحينما أراد مروان أن يدعو إلى بيعة يزيد ، قال له عبدالرحمن بن أبي بكر : (كذبت والله يا مروان ، وكذب معاوية ! ما الخيار أردتما لاُمّة محمد...) فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه : (والذي قال لوالديه أُفٍّ لكما) فسمعت عائشة مقالته فقالت : (يا مروان... أنت القائل لعبدالرحمن
____________
1) أنساب الاَشراف 1 : 120 ـ 122 . وبنحوه في الاِمامة والسياسة 1 : 181 .
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 220 .
3) الكامل في التاريخ 3 : 504 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 106 )
إنّه نزل فيه القرآن ؟ كذبت ! والله ما هو به.. ولكنّك أنت فضض من لعنة نبي الله) (1) .
ودخل معاوية على عائشة فأخبرها عن موقفه من الاِمام الحسين وعبدالرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير فقال : (لاَقتلنّهم إن لم يبايعوا)(2) .
وهكذا استباح دم الصحابة لرفضهم بيعة ابنه يزيد .

____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 506 ـ 507 .
2) الكامل في التاريخ 3 : 509 .
الفصل الخامس
الآراء في تقييم الصحابة
اختلف العلماء والمؤرخون في تقييم الصحابة من حيثُ درجات قربهم وبعدهم عن العقيدة والشريعة الاِسلامية ، فمن العلماء من ذهب إلى أنَّ جميع الصحابة قد جسّدوا المفاهيم والقيم الاِسلامية في سلوكهم ومواقفهم إلى آخر حياتهم ، ومنهم من ذهب إلى ذلك مقيداً بظهور الفتن ، فالداخلون في الفتنة صُنِّفوا إلى صنفين ، فمنهم العدول ، ومنهم غير العدول ، ومن العلماء من اختار أوسط الآراء بعد تتبعهم للسيرة الذاتية للصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده ، فكانوا عدة أصناف فمنهم العدول ، ومنهم غير العدول ، ومنهم المنافقون الذين انكشفت حقيقتهم ، ومنافقون أسرّوا النفاق فلم يعلمهم إلاّ القليل من بقية الصحابة .
ذكر ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://maktabtthkaraliraq.gid3an.com
مدير المكتبة
Admin
avatar

المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 04/04/2012
العمر : 52

مُساهمةموضوع: رد: الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ   الثلاثاء مايو 01, 2012 2:46 pm

( 108 )
والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم إذا لم يكن ظاهر العدالة .
ومنهم من قال : بأنَّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً منهم ، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجهم على الاِمام الحق .
والمختار : إنّما هو مذهب الجمهور من الاَئمة) (1).
الرأي الاَول : عدالة جميع الصحابة :
وهو رأي جمهور العلماء من العامّة المتفقين على عدالة جميع الصحابة ، قال ابن حجر العسقلاني : (اتفق أهل السُنّة على أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة) (2).
واستشهد بما قاله الخطيب البغدادي في ذلك : (... وإنّه لا يحتاج إلى سؤال عنهم ، وإنّما يجب فيمن دونهم... لاَنّ عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم) (3).
واستثنى ابن الاَثير الصحابة من الجرح والتعديل فقال : (والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل ، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح ، لاَنّ الله عزَّ وجل ورسوله زكياهم وعدَّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره) (4).

____________
1) الاِحكام في أصول الاَحكام 2 : 320 .
2) الاِصابة 1 : 6 .
3) الكفاية في علم الرواية : 46 .
4) أُسد الغابة 1 : 10 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 109 )
ويرى الشوكاني (استواء الكل في العدالة) (1).
ونسب محمد الفتوحي المعروف بابن النجار إلى ابن الصلاح وغيره القول بأنّ : (الاُمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ، ولا يعتدّ بخلاف من خالفهم) (2) .

الاَدلة على عدالة جميع الصحابة :
1ـ الآيات القرآنية : استدل القائلون بعدالة جميع الصحابة ببعض الآيات القرآنية ، وقد سبق أن ذكرناها في الفصل الثاني ، وأثبتنا أنّها لاتدل على عدالة جميع الصحابة فرداً فرداً ، وإنّما تدل على مدح الله وثنائه على الصحابة بما هم مجموع ، ولا يسري هذا المدح والثناء إلى الاَفراد ، وإضافة إلى ذلك أنّ المدح والثناء أو الرضى من قبل الله تعالى مشروط بالوفاء بالعهد والاستمرار على الاستقامة وحسن العاقبة ، كما تقدم .
والآيات القرآنية لا تقتصر على المدح والثناء ، فهنالك آيات وردت في ذم بعض الصحابة لما ارتكبوه من أعمال ومواقف مخلّة بالعدالة ، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في محلّه .
2ـ الروايات : استدل بعض القائلين بعدالة جميع الصحابة بعدد من الروايات ومنها :
الرواية الاُولى : نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « إنَّ أصحابي بمنزلة
____________
1) ارشاد الفحول ، للشوكاني : 70 مطبعة البابي الحلبي ـ مصر 1358 هـ .
2) شرح الكوكب المنير 2 : 473 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 110 )
النجوم في السماء ، فأيِّها أخذتم به اهتديتم » (1).
وهذه الرواية غير تامة السند عند كثير من الفقهاء والعلماء بما فيهم بعض المؤمنين بعدالة جميع الصحابة .
قال أبو عمر يوسف بن عبدالبر القرطبي : (وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم ، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر) (2).
وذكر ابن حزم الاِندلسي أسماء الرواة الضعاف والكذّابين والمجهولين في أسانيد هذه الرواية ، ثم أبرز رأيه من خلال تلك المقدمات فقال : (فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً ، وبلا شك أنّها مكذوبة... فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتّباع كلّ قائل من الصحابة ، وفيهم من يحلّل الشيء وغيره من يحرمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب) (3) .
وضعّف ابن قيم الجوزية إسناد الرواية ثم ناقش الدلالة فقال : (إنَّ هذا يوجب عليكم تقليد الجميع ، فإن سوّغتم هذا ، فلا تحتجّوا لقول على قول ومذهب على مذهب... ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتّبع قول أحدهم ، وإن لم تسوّغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له)(4)
وفي معرض تقييم الذهبي لجعفر بن عبدالواحد الهاشمي قال : (ومن
____________
1) الكفاية في علم الرواية : 48 .
2) جامع بيان العلم وفضله 2 : 300 مؤسسة الكتب الثقافية ـ بيروت 1415 هـ .
3) الاِحكام في أُصول الاَحكام 6 : 244 .
4) إعلام الموقعين 2 : 234 دار الجيل ـ بيروت .

--------------------------------------------------------------------------------

( 111 )
بلاياه.. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى») (1) .
ومن الذين ضعفّوا إسناد الرواية الاسفرايني (2)، وأبو حيان الاَندلسي وتلميذه تاج الدين الحنفي (3)واعتبروها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومنهم : (أحمد بن حنبل ، البزار ، ابن عدي ، الدارقطني ، ابن حزم، البيهقي ، ابن عبدالبر ، ابن عساكر ، ابن الجوزي ، ابن دحية ، الذهبي ، الزين العراقي ، ابن حجر العسقلاني ، السخاوي ، السيوطي ، المتقي ، القاري) (4) .
ويمكن مناقشة الرواية من حيث الدلالة ومن حيث نتائج الاَخذ بها من الناحية العملية والواقعية .
فالاَمر بالاقتداء موجّه إلى الصحابة ، فكيف يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بالاقتداء بالصحابة وهذا يعني أنّه أمر للصحابة بالاقتداء بأنفسهم، وهذا محال .
ولو فرضنا صحته ، فإنّه مختص بالاقتداء ببعض الصحابة لا جميعهم ، وقد وردت روايات مستفيضة يأمر صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بالاقتداء بأهل البيت: كما ورد في رواية التمسك بالثقلين وهما الكتاب والعترة
____________
1) ميزان الاعتدال ، للذهبي 1 : 413 دار المعرفة ـ بيروت .
2) التبصير في الدين : 179 .
3) البحر المحيط 5 : 528 دار الفكر ـ بيروت 1403 هـ ط2 .
4) الاِمامة في أهم الكتب الكلامية ، للسيد علي الميلاني : 461 ـ 514 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 112 )
الطاهرة (1) .
والاَعراف المتبعة عند العرب آنذاك إنّهم لا يهتدون بأي نجم كان ، وإنّما كانوا يهتدون بنجوم معينة ومحدّدة في مسيرهم ، والاطلاق الذي في الحديث لا يتناسب مع علومهم ومعارفهم الدارجة آنذاك .
ولو تتبعنا سيرة الصحابة وأخذنا بها لوقعنا في تناقض حتمي ، كما تراه في قول ابن حزم و ابن القيم ، وقد تكفل الفصل السابق بعرض الكثير من اسئلة التناقض .
وإذا قيل : إنّ المراد هو الاقتداء ببعض المواقف دون بعض ، فلا بدَّ من مخصّص لهذا الاقتداء ، ولا مخصص له ، لاَنَّ الرواية مطلقة .
فالرواية إذن لا يصحّ الاستدلال بها على عدالة جميع الصحابة ، فهي غير تامة السند ولا الدلالة .
الرواية الثانية : نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « إنَّ الله اختارني ، واختار أصحابي فجعلهم أصهاري ، وجعلهم أنصاري ، وإنّه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصوهم ، ألا فلا تناكحوهم ، ألا فلا تنكحوا إليهم ، ألا فلا تصلّوا معهم ، ألا فلا تصلّوا عليهم ، عليهم حلّت اللعنة » (2).
والرواية غير تامة السند ، فلا يصح نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي
____________
1) صحيح مسلم 4 : 1873 و 1874 . وسنن الترمذي 5 : 662 | 3786 . ومسند أحمد 3 : 14 و17 ، 4 : 367 و 371 ، 5 : 182 و 189 . وسنن الدارمي 2 : 432 . ومصابيح السُنّة 4 : 185 | 4800 .
2) الكفاية في علم الرواية : 48 ووردت الرواية في تعابير مختلفة .

--------------------------------------------------------------------------------

( 113 )
هذا الصدد قال الدكتور عبدالكريم النملة (1): (فهذا حديث لا يصلح الاستدلال به ، لاَنَّ فيه بشير بن عبيدالله ، وهو غير معروف .
قال ابن حبان : والحديث باطل لا أصل له ، نقل ذلك أبو الفضل محمد ابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات) (2).
وقال الدكتور عطية بن عتيق الزهراني : (هذا الحديث لا يصح) (3).
ومن ناحية الواقع نرى أنّ الذي ابتدأ بانتقاص الصحابة أو سبّهم ـ كما في رواية الطبراني والهيثمي ـ هم بعض الصحابة ، وهذا يستلزم التناقض ، فاللعنة تكون شاملة لبعض الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا غيرهم من الصحابة ، وتشمل من لعنهم أيضاً ، وهذا ممّا لا يصح التمسك بدلالته .
ووردت روايات أُخرى في استدلال القائلين بعدالة جميع الصحابة ، وهي غير تامة السند والدلالة معاً ، أو أحدهما ، أو تدل على عدالة بعض الصحابة دون الجميع كرواية : « خيرُ أُمتي قرني... » و « لا تسبّوا أصحابي» (4) وغيرهما .
وذهب أصحاب هذا الرأي إلى نسبة الزندقة لمن لا يرى عدالة جميع الصحابة ، قال أبو زرعة : (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم أنّه زنديق وذلك أنّ رسول صلى الله عليه وآله وسلم عندنا حقّ ، والقرآن حقّ ، وإنّما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
____________
1) أُستاذ بكلية الشريعة في الرياض .
2) مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف ، لعبدالكريم النملة : 83 .
3) السُنّة ، لاَبي بكر الخلال 1 : 483 في الهامش دار الراية ـ الرياض 1415 هـ ـ ط2 .
4) الكفاية في علم الرواية : 47 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 114 )
وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُنّة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة)(1).
ونحن لا نتفق مع أبي زرعة وغيره من القائلين بهذا الرأي من عدة جهات :
الجهة الاُولى : إنّ الذي أدّى إلينا القرآن والسنن بعض الصحابة وليس جميعهم .
الجهة الثانية : ليس لجرح الشهود دخالة في إبطال الكتاب والسُنّة ، وإنّما يكون غالباً مصحوباً بالتثبت والاحتياط في الدين ، من أجل الوصول إلى العقيدة الحقّة والشريعة الحقّة ، ليكون السلوك مطابقاً للكتاب والسُنّة .
الجهة الثالثة : إنَّ الجرح لا يشمل جميع الصحابة بل بعضهم .
الجهة الرابعة : إنَّ بعض الصحابة استتروا على نفاقهم فلم يظهروه ، فمن العقل والمنطق السليم أن نبحث عن عدالتهم .
الجهة الخامسة : إنَّ بعض الصحابة انتقصوا وسبّوا وجرحوا غيرهم من الصحابة ، وخصوصاً الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا وجرحوا الاِمام عليّاً عليه السلام ، وهو الاَقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان على رأس الصحابة الذين أدّوا إلينا القرآن والسُنّة ، وهو الاَعلم بكتاب الله وسُنّة رسوله كما تظافرت على ذلك الروايات (2).

____________
1) الكفاية في علم الرواية : 49 .
2) الطبقات الكبرى 2 : 338 . ومناقب علي بن أبي طالب ، لابن المغازلي : 82 . وحلية الاَولياء 1 : 5 . وكفاية الطالب : 197 . وتذكرة الخواص : 25 . والمستدرك على الصحيحين 3 : 127 . ومختصر تاريخ دمشق 18 : 17 . ومجمع الزوائد 9 : 114 . والصواعق المحرقة : 189 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 115 )
فهل يحق لنا جرحهم ؟ طبقاً لهذا الرأي ، فإذا قيل يحق فقد انخرمت القاعدة ، وإذا قيل لا يحقّ جرحهم فكيف كان لهم الحقّ في جرح الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؟
تقييدات المازري :
حاول المازري التخفيف من الافراط في تقييم الصحابة ، فلم ينسب الجميع إلى العدالة ، وإنّما وضع قيوداً لتقليل عدد الصحابة وتقييد الاطلاق في العدالة ، فقال : (لسنا نعني بقولنا : الصحابة عدول ، كل من رآه صلى الله عليه وآله وسلم يوماً أو زاره لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب ، وإنّما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه أُولئك هم المفلحون)(1).
وهذه المحاولة هي تراجع موضوعي عن الاَصل الذي تبنّاه الجمهور، وهي قائمة على أُسس موضوعية من خلال تتبع حياة الصحابة وسيرتهم الذاتية وما نزل فيهم من آيات وما قيل فيهم من روايات .

الرأي الثاني : ثبوت العدالة في الواقع الخارجي :
يتبنّى هذا الرأي ثبوت العدالة في الواقع الخارجي لجميع الصحابة ، فلا يوجد من بينهم من ارتكب ما يؤدي إلى فسقه ، قال الغزالي : (والذي عليه سلف الاُمّة وجماهير الخلف : أنّ عدالتهم معلومة.. إلاّ أن يثبت بطريق قاطع إرتكاب واحد لفسق مع علمه به ، وذلك مما لا يثبت ،
____________
1) الاِصابة 1 : 7 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 116 )
فلاحاجة لهم إلى التعديل) (1).
ولا دليل على هذا الرأي ، والواقع الخارجي مليء بالاَدلة والشواهد النافية لعدالة بعض أو كثير من الصحابة .
وإذا تتبعنا سيرة الصحابة نجدهم لا يتبنّون هذا الرأي ، بل يتثبتون في الحكم على بعضهم البعض جرحاً أو تعديلاً ، وكان بعضهم يجوّز الفسق على نفسه أو على غيره ، والاَمثلة على ذلك مستفيضة . وقد تكرر بحثه والاشارة إليه مراراً .
عدم التكلّف في البحث عن عدالة الصحابة :
ذهب جماعة إلى تجويز المعصية على الصحابة ، ولكنهم توقفوا في البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، ونسب هذا الرأي إلى ابن الاَنباري وغيره ، حيث قالوا : (وليس المراد بكونهم عدولاً : العصمة واستحالة المعصية عليهم ، إنّما المراد أن لا نتكلّف البحث عن عدالتهم ولا طلب التزكية لهم) (2).
وهذا الرأي غير تام ، فلو جوزنا على الصحابة المعصية ، فإنّ هذا يستلزم البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، لمعرفة العادل منهم والفاسق ، وهذه المعرفة ضرورية لتحديد معالم الدين في التفسير وفي السُنّة ، وتشخيص صحة الرواية بلحاظ رواتها ، وهي ضرورية في كتابة التاريخ وأخذ العبر والتجارب منه ، وقد ألفت الكتب في الجرح والتعديل
____________
1) المستصفى ، للغزالي 2 : 257 ـ المدينة المنورة 1413 هـ .
2) شرح الكوكب المنير 2 : 477 في الهامش هذا القول لابن الانباري وغيره .

--------------------------------------------------------------------------------

( 117 )
في جميع مراحل المسيرة الاِسلامية ، وهو أمر مألوف إلى يومنا هذا .

الرأي الثالث : عدالة جميع الصحابة قبل دخولهم في الفتنة :
ذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة إلى حين وقوع الاختلاف والفتن فيما بينهم ، فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الصحابي إذا لم يكن ظاهر العدالة (1)، وذهب المعتزلة إلى عدالة الجميع باستثناء من قاتل الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام فهو فاسق مردود الشهادة (2).
ورأي المعتزلة غير مقبول عند الجمهور الذين يرون عدالة جميع الصحابة حتّى من قاتل الاِمام عليّ عليه السلام ، قال ابن كثير : (وقول المعتزلة : الصحابة عدول إلاّ من قاتل علياً ، قول باطل مرذول ومردود ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : عن ابن بنته الحسن بن علي... « إنّ ابني هذا سيّد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الاَمر... وسمي عام الجماعة... فسمى الجميع مسلمين...) (3).
وهذا الوجه لا يصحُّ الاستدلال به على عدالة جميع الصحابة ، وغاية ما يدل عليه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمى الفئتين بالمسلمين ، وإطلاق اسم المسلم على فرد أو جماعة لا يستفاد منه العدالة ، فليس كل مسلم عادلاً ، لاَنّ التسمية تطلق على من شهد الشهادتين وإن كان فاسقاً أو كان منافقاً مستتراً ، بل إنّ كلمة الاِسلام تطلق حتى على مرتكب الكبائر ماعدا الشرك
____________
1) الاِحكام في أصول الاَحكام 2 : 320 .
2) المصدر السابق نفسه .
3) الباعث الحثيث في شرح علوم الحديث : 177 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 118 )
بالله تعالى .
ومثل ذلك ما قاله محمد بن إسحاق ، كما حكى عنه البيهقي : (وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمارته فهو باغ) ، وأضاف البهيقيSad على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس الشافعي... ثم لم يخرج من خرج عليه ببغية عن الاِسلام) (1).
وغاية ما يستدل بهذا القول : إنّ الباغين على الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام لم يخرجوا عن الاِسلام ، وعدم الخروج عن الاِسلام لا يستلزم العدالة .

الرأي الرابع : تأويل مواقف الصحابة :
إنّ عدالة جميع الصحابة لم تثبت حسب موازين الجرح والتعديل ، فقد ارتكب بعضهم أفعالاً ظاهرة الانحراف والفسق ، ومن أجل الحفاظ على نظرية عدالة الجميع ، ذهب جمهور من علماء العامّة إلى ضرورة تأويل مواقفهم بما ينسجم مع القول بالعدالة .
قال ابن حجر الهيتمي : (إعلم أنَّ الذي أجمع عليه أهل السُنّة والجماعة أنّه يجب على كلِّ مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم ، والكفّ عن الطعن فيهم... والواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات، وأصوب المخارج ، إذ هم أهل لذلك) (2).
ولهذا أوّلوا ما ارتكبه بعض الصحابة من معاصي وإن كانت من الكبائر ،
____________
1) الاعتقاد على مذهب السلف ، للبيهقي : 219 دار الكتب العلمية ـ بيروت 1406 هـ ط2 .
2) الصواعق المحرقة : 325 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 119 )
بأنّ ما ارتكبوه قد صدر منهم عن اجتهاد وتأويل ، ومن ذلك بغي معاوية وعمرو بن العاص على الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام وما رافق ذلك البغي من سفك الدماء وقتل خيرة الصحابة كعمّار وخزيمة بن ثابت وحجر بن عدي وآخرين .
قال ابن حجر : (وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية ، لكنّه بغي لا فسق به ، لاَنّه صدر عن تأويل يعذر به أصحابه) (1).
ولم يكتف القائلون بالتأويل بذلك ، فترقّى بهم الحال ليدّعوا أنّ للبغاة أجراً على بغيهم :
قال ابن كثير : (... لاَنّهم وإن كانوا بغاة في نفس الاَمر ، فإنّهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال ، وليس كل مجتهد مصيباً ، بل المصيب له أجران ، والمخطيء له أجر) (2).
وقال ابن حزم : (وعمّار رضي الله عنه قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي ، وقد شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنّه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو العادية... متأول مجتهد مخطيء فيه باغ عليه مأجوراً أجراً واحداً) (3).
وذكر ابن حجر الرواية المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله لعمّار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية » وأردفها بالقول : (إخبار من الصادق المصدّق رضي الله عنه أنّ معاوية باغ على عليّ ، وأنّ عليّاً هو الخليفة الحق) .

____________
1)الصواعق المحرقة : 328 .
2) السيرة النبوية ، لابن كثير 2 : 308 .
3) الفصل في الاَهواء والملل والنحل 4 : 161 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 120 )
وقال : وجوابه أنّ غاية ما يدل عليه هذا الحديث أنّ معاوية وأصحابه بغاة... ذلك لا نقص فيه ، وأنّهم مع ذلك مأجورين غير مأزورين...) (1).
وعلى الرغم من القول بالتأويل ، إلاّ أنّهم خرموا القاعدة في رأيهم بقتلة عثمان بن عفّان ، قال ابن حجر : (... إنَّ الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة ، وإنّما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ، ولاَنّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحقّ لهم)(2)» .
والرأي في قتلة عثمان ينقض قاعدة التأويل ، بل ينقض عدالة جميع الصحابة ، لاَنَّ بعض الصحابة قد فسقوا بقتلهم عثمان كما يدّعون ، فما هو الملاك في التأويل ؟! فإذا كان قتلة عثمان قد قتلوا شخصاً واحداً ، فإنّ معاوية ومن معه قتلوا آلاف المسلمين وعشرات الصحابة ، بل استمر معاوية على هذا النهج وقتل جماعة من أخيار الصحابة حينما تسلط على المسلمين بقوة السيف ، فلماذا نبرّر لمعاوية بغيه على الخليفة الحق وسفكه الدماء ، ولا نبرّر لبعض الصحابة مشاركتهم في قتل عثمان ؟ فما هو المرجح في التبرير ؟
ولماذا يبرّر لابن ملجم قتله الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما ورد عن البيهقي أنّه قال : (ولا خلاف بين أحد من الاُمة أنّ ابن ملجم قتل علياً متأولاً مجتهداً مقدّراً على أنّه على صواب) (3).

____________
1) تطهير الجنان : 42 .
2) الصواعق المحرقة : 326 .
3) السنن الكبرى 8 : 58 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 121 )
فالحق أنّه لا ملاك في تأويل أخطاء الصحابة إلاّ ولاء المؤرخين وبعض العلماء إلى الوضع السياسي الغالب ـ لا سيّما أيام معاوية بن أبي سفيان ـ وإظهاره بأفضل صور العدالة .
نقض التأويل والاجتهاد :
لو سايرنا الرأي الذي يبرّر لبعض الصحابة ما ارتكبوه من أعمال وممارسات ، سفكت فيها الدماء وتشتت فيها إلفة المسلمين وتخلخلت جبهتهم الداخلية ، تحت ذريعة التأويل والاجتهاد ، فإننا نقطع بأنّ بعض الصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص غير متأولين وغير مجتهدين في بغيهم على الاِمام عليّ عليه السلام وسفكهم الدماء ، وإنّما بغوا عليه متعمِّدين ، وليس مطالبتهم بدم عثمان إلاّ ذريعة واهية ، وفيما يلي نستعرض الظروف والوقائع التي تؤكد تعمدهم في البغي بلا تأويل ولا اجتهاد .
أولاً : عدم نصرة عثمان في حياته :
إنَّ المطالبين بدم عثمان لم ينصروه في حياته وهم قادرون على ذلك ، فقد أوصى معاوية قائد جيشه أن يرابط قرب المدينة في زمن حصار عثمان ، وقال له : (إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) . فأقام قائده بذي خشب حتى قُتل عثمان، وحينما سئل جويرية عن ذلك قال : (صنعه عمداً ليُقتل عثمان فيدعو إلى نفسه) (1).

____________
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1289 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 122 )
ولهذه الحقيقة أدلة وشواهد كثيرة ، فحينما طلب معاوية من عبدالله بن سعد بن أبي سرح البيعة أجاب : (ما كنتُ لاُبايع رجلاً أعرف أنّه يهوى قتل عثمان) (1) .
وقال عمرو بن العاص لمعاوية : (إنَّ أحق الناس ألاّ يذكر عثمان لا أنا ولا أنت... أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام ، واستغاثك فأبطأت ، وأما أنا فتركته عياناً) (2).
وكان ابن العاص يحرّض على قتل عثمان حتى الراعي في غنمه ، وحينما سمع بمقتله قال : (أنا أبو عبدالله ، أنا قتلته وأنا بوادي السباع) (3).
فالذي تباطأ عن نصرة عثمان والذي حرّض الناس على قتله هل يكونا مجتهدين في المطالبة بدمه ؟ إلاّ أن نقول إنّ التباطؤ والتحريض هو اجتهاد للوصول إلى الخلافة ، واجتهد معاوية أيضاً حينما أصبح خليفة بترك ما يسميهم قتلة عثمان خوفاً على سلطانه (4)!!
فلا ميزان ولا مقياس للاجتهاد عند أصحاب هذا الرأي ، وهذا التبرير مخالف للقواعد الثابتة للاِسلام ، فالاِسلام ثابت بموازينه وقيمه ، والمسلمون هم الذين يقتربون ويبتعدون عن تلك الموازين والقيم ، فيصيبون ويخطؤون ، ومن الاَفضل للباحثين أن يصفوا الاَشخاص بالوصف الذي يستحقونه دون تبرير حفاظاً على سلامة الموازين والقيم
____________
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1153 .
2) الاِمامة والسياسة 1 : 98 .
3) الكامل في التاريخ 3 : 275 .
4) أنساب الاَشراف 1 : 125 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 123 )
الاِسلامية الثابتة .
ثانياً : عدم اتّباع الاسلوب المشروع في القصاص :
إنَّ طاعة الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام واجبة على معاوية وجميع أهل الشام ، وهذا متسالم عليه عند فقهاء السُنّة في وجوب طاعة الاِمام المبايع من قبل أهل الحل والعقد (1).
وقد حاجج الاِمام عليّ عليه السلام معاوية بما هو مرتكز عند المسلمين ، من أنّ طاعة الخليفة المبايع واجبة على بقية الاَمصار ، فقال في كتابه إليه : «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشّاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردَّ ، وإنَّما الشورى للمهاجرين والاَنصار ، فإنَّ اجتمعوا على رجلٍ وسمّوهُ إماماً كان ذلك لله رضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين » (2).
فطاعة الاِمام عليّ عليه السلام واجبة ، والاَمر في القضاء والقصاص من اختصاصه ، ولا حق لاَحد من الاُمّة التدخل في ذلك ، لاَنّ ذلك يؤدي إلى الاضطراب والتشتت وضعف النظام ، فالاسلوب المنطقي والشرعي أن يدخل معاوية في الطاعة ثم يطالب بالقصاص ـ لو كان له حق المطالبة لقرابته من عثمان ـ وفي ذلك كتب الاِمام عليّ عليه السلام إلى معاوية : « فأمّا طلبك قتلة عثمان ، فادخل في الطاعة ، وحاكم القوم إليَّ ، أحملك وإياهم
____________
1) الاحكام السلطانية ، للماوردي : 7 . وأُصول الدين ، لعبدالقاهر البغدادي : 280 .
2) نهج البلاغة : 366 ـ 367 الكتاب 6 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 124 )
على كتاب الله وسُنّة رسوله» (1).
فالواجب على معاوية الطاعة أولاً ثم طلب المحاكمة وانتظار الحكم النهائي فهو الذي يحدّد استدامة البيعة للخليفة أو الخروج عليه ، ولكنه التجأ إلى اُسلوب البغي والعدوان ، وحينما أحسَّ بقرب انتصار الاِمام عليّ عليه السلام رفع المصاحف والتجأ إلى الصلح وترك المطالبة بدم عثمان .
ثالثاً : إلقاء الحجّة :
إنَّ اجتهاد معاوية باطل ، لاَنَّ الحجة ملقاة عليه ، فقد وردت أحاديث مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد على فضائل الاِمام عليّ عليه السلام ووجوب موالاته ، ومنها حديث الغدير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» وهذا الحديث أخرجه (الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان) (2) .
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للاِمام علي وفاطمة والحسن والحسين: : «أنا سلمٌ لمن سالمتم ، وحربٌ لمن حاربتم » (3).
وقوله للاِمام عليّ عليه السلام : « لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق » وقد ورد بألفاظ متنوعة ترجع إلى معنى واحد (4).

____________
1) شرح نهج البلاغة 9 : 294 .
2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني 7 : 61 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1402هـ ط2 .
3) سنن ابن ماجة 1 : 52 . وسير أعلام النبلاء 2 : 122 .
4) صحيح مسلم 1 : 86 . وسنن الترمذي5 : 635 . وسنن ابن ماجة 1 : 42 . وتاريخ بغداد2 : 255 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 125 )
والبغي أشدُّ صور البغض ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول عمّار بن ياسر ـ كما تقدم ـ واضح الدلالة في أنّه سيُقتَل من قبل الفئة الباغية الناكبة عن الطريق ، وقد أُلقيت الحجّة على معاوية وابن العاص ، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض ، كما جاء في الرواية التالية : (وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمّار بن ياسر : «تقتلك الفئة الباغية... » فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك يا عمرو ؟ فيقول عمرو : إنّه سيرجع إلينا ، فقُتل ذو الكلاع قبل عمّار مع معاوية ، وأُصيب عمّار بعده مع الاِمام عليّ عليه السلام ، فقال عمرو لمعاوية : ماأدري بقتل أيُّهما أنا أشد فرحاً... والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ) (1).
وهذه الرواية تبيّن لنا أنّ الحقّ واضح حتى عند معاوية وابن العاص ، فلا مجال للاجتهاد بعد وضوح الحجّة .
رابعاً : الاعتراف ببطلان الموقف :
اعترف عمرو بن العاص ببطلان موقفه من الاِمام عليّ عليه السلام ، كما ظهر في كلامه مع معاوية حيثُ قال له : (أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة فانّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيثُ نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكن إنّما أردنا هذه الدنيا) (2).
واستشار ابن العاص ولديه ، فأشار عليه عبدالله بعدم الالتحاق بمعاوية، وأشار عليه محمد بالالتحاق ، فقال ابن العاص : (أما أنت
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 311 .
2) تاريخ الطبري 4 : 561 . والكامل في التاريخ 3 : 276 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 126 )
ياعبدالله فأمرتني بما هو لي في آخرتي وأسلم لي في ديني ، وأما أنت يامحمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وشرٌّ لي في آخرتي) (1).
وأشار عليه غلامه وردان بالقول : (اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا ، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة... أرى أن تقيم في منزلك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك) ، فقال ابن العاص : (الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ؟) (2).
لم يترك الرجلان إذن مجالاً لتأويل أفعالهما ، بعد أن أفصحا عمّا في الضمائر والنوايا ، فهل تكلّف التأويل بعد كل هذه الاعترافات إلاّ تمحّل وعصبية ؟!

الرأي الخامس : الرأي المعتدل :
يرى أصحاب هذا الرأي أنّ حال الصحابة كحال غيرهم من حيث العدالة ، ففيهم العادل والفاسق ، فليس كل من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عادلاً ، وليس للصحبة دور في عدالة الصحابي ما لم يجسّد سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه ومواقفه ، فالملاك هو السيرة العملية ، فمن تطابقت سيرته مع المنهج الاِسلامي فهو عادل ، ومن خالف المنهج الاِسلامي فهو غير عادل .
وهذا هو الرأي المعتدل المطابق للواقع الموضوعي الذي أشار إليه
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 275 . وبنحوه في الاِمامة والسياسة 1 : 96 .
2) الاِمامة والسياسة 1 : 96 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 127 )
القرآن الكريم والسُنّة النبوية ، وأكدّته سيرة الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده ، وقد أجمع علماء وفقهاء الشيعة على ذلك ، وتابعهم جمهور من علماء وفقهاء العامّة مخالفين للمشهور لديهم في ذلك .
ذكر السيد مرتضى العسكري الشواهد على هذا الرأي فقال : (ترى مدرسة أهل البيت تبعاً للقرآن الكريم : أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله في القرآن الكريم... وكذلك تبعاً للقرآن ترى فيهم منافقين ذمهم الله في آيات كثيرة... وفيهم من أخبر الله عنهم بالافك... وفيهم من قصد اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عقبة هرش... وإنّ التشرف بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس أكثر امتيازاً من التشرف بالزواج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ مصاحبتهن له كانت من أعلى درجات الصحبة ، وقد قال الله تعالى في شأنهنَّ : ( يا نِسَاءَ النَّبي مَن يأتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُّبينةٍ يُضَاعَف لَها العَذابُ ضِعفَينِ... ومن يقنُت مِنكُنَّ للهِ ورَسُولهِ وتعمل صالِحاً نؤتِها أجرَها مَرّتَينِ... ) ، ثم ذكر الروايات الدالة على ما سيقوم به بعض الصحابة من أحداث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).
ورأي الشيعة الاِمامية هو أوسط الآراء كما يقول السيد عبدالحسين شرف الدين : (رأي الاِمامية في هذه المسألة... أوسط الآراء ، إذ لم يفرّطوا تفريط الغلاة ، ولا أفرطوا إفراط الجمهور) (2).
وفي بحثنا هذا لم نذكر رأي الغلاة الذين يكفرّون جميع الصحابة ، لاَنّه من الآراء الشاذة المخالفة للقرآن وللسُنّة ولسيرة الصحابة وللمنطق السليم، وقد انقرض هذا الرأي ، ولا يوجد في الوقت الراهن من يقول به ،
____________
1) معالم المدرستين 97 ـ 98 . والآية من سورة الاَحزاب 33 : 30 ـ 32 .
2) الفصول المهمة ، لعبدالحسين شرف الدين : 189 مؤسسة البعثة ـ طهران ط1 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 128 )
فالصحابة وإن انحرف بعضهم وفسق في ممارساته العملية إلاّ أنّ صفة الاِسلام لا تسلب منه ما دام يشهد الشهادتين .
والرأي المعتدل الذي ذكرناه آنفاً ، تسالم عليه بل أجمع عليه علماء وفقهاء ومتكلمو الشيعة ، وهو الرأي الموافق للقرآن ، والموافق للسُنّة ـ كما تقدم في حديث الحوض ـ وأحاديث أُخرى ، والموافق لسيرة الصحابة حيثُ كذّب بعضهم بعضاً ، وقاتل بعضهم بعضاً ، ونسب بعضهم الفسق إلى البعض الآخر .
وعدالة جميع الصحابة لم تذكر على لسان أي صحابي ، ولم يحتجّ بها أحد من الصحابة في خضمّ الاَحداث والوقائع ، ففي جواب عائشة لخالد ابن الواشمة حينما قال فيهم : (لا يجمعهم الله في الجنة أبداً) . قالت : (أولا تدري أنّ رحمة الله واسعة وهو على كلِّ شيء قدير) (1) فلم تحتجّ عليه بالعدالة ، وإنّما أرجأتهم إلى رحمة الله تعالى .
وهذا الرأي المعتدل لم يكن من مختصات الشيعة وحدهم ، ولم ينفردوا به ، بل تابعهم عليه جمع غفير من علماء وفقهاء العامّة وصرّحوا بأنّ الصحابة غير معصومين ، ففيهم العدول وغير العدول ، ومن القائلين بهذا : سعدالدين التفتازاني ، والمارزي ، وابن العماد الحنبلي ، والشوكاني وآخرون (2) .
ومن المتأخرين محمد عبده، ومحمد بن عقيل العلوي، ومحمد رشيد رضا، والمقبلي، وسيد قطب، ومحمد الغزالي، ومحمود أبو ريّة وآخرون .

____________
1) السنن الكبرى ، للبيهقي 8 : 174 .
2) الاِمامة في أهم الكتب الكلامية : 465 .

--------------------------------------------------------------------------------

( 129 )
فهم يقولون بقول الشيعة من أنّ العدالة مختصة ببعض الصحابة الذين استقاموا على المنهج الاِسلامي ولم يبدلّوا ولم يغيّروا .
ومن يتابع القرآن الكريم والسُنّة النبوية وسيرة الصحابة أنفسهم كما تتبعناها ، يجد صحة هذا الرأي القائل بعدم عدالة جميع الصحابة .


وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين


اعداد واخراج
موقع مؤسسة الإمام الكاظم عليه السلام ـ المكتبة العامة ـ مكتبة التاريخ والسيرة الإسلامية
http://www.alkadhum.org


نهاية الموضوع
القاكم بخير
واسالكم الدعاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://maktabtthkaraliraq.gid3an.com
 
الـصـحـابـة في القرآن والسُنّة والتأريخ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مكتبة ثغر العراق :: مكتبة اهل البيت عليهم السلام-
انتقل الى:  
أنت غير مسجل فى مكتبة ثغر العراق . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
التسجيل السريع
:الأســـــم
:كلمة السـر
 تذكرنــي؟